تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
وأسخت الأرض من تحته ، ولا أبالي كيف أهلكته ، يا موسى خمس كلمات ختمت لك بها التوراة ، إن عملت بهن نفعك العلم كله ، وإلا لم ينفعك شيء منه : الأولى : كن واثقا برزقي المضمون لك ما دامت خزائني مملوءة ، لا تنفد أبدا . الثانية : لا تخافنّ ذا سلطان ما دام سلطاني ، وسلطاني دائم لا يزول أبدا . الثالثة : لا ترى عيب غيرك ما دام فيك عيب ، والعبد لا يخلو من عيب أبدا . الرابعة : لا تدع محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك ، فإنه لا يدع محاربتك أبدا . الخامسة : لا تأمن مكري حتى ترى نفسك في الجنة ، وفي الجنة أصاب آدم ما أصاب ، فلا تأمن مكري أبدا انتهى . قلت : وهذا كله تشريع لغيره ، والأنبياء كلهم مطهرون معصومون ، وكل ما ورد فيهم من التعليم والتربية فالمراد به غيرهم ، وباللّه التوفيق . ثم من منّ اللّه عليه فأخرجه من أسر نفسه ، وأطلقه من سجن غفلته ، فلم يعرف هذه النعمة سلبها من ساعته ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

199 - من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها .

قلت : هذا الذي ذكره الشيخ مجرب صحيح ، وذلك أن العبد قد تترادف عليه النعم والعوافي فلا يعرف قدرها ، ولا تعظم عنده كل التعظيم ، فإذا سلبها وضرب بالبلاء والأوجاع والمصائب فحينئذ يعرف قدر العافية ، وكذلك الفقير يكون مصحوبا بالحضور والفكرة والنظرة فلا يعظم عنده قدرها ، فإذا أصابته الغفلة ورجع إلى الحس وفقد قلبه عرف قدر ما كان عنده ، فإذا التجأ واضطر إلى اللّه رد إليه ما سلبه . قيل : إن اللّه تعالى يقول لجبريل : يا جبريل انسخ حلاوة محبتي من قلب عبدي ، أختبره ، فينسخ جبريل حلاوة المحبة من قلب ذلك العبد ، فإذا هو اضطرب وتضرع والتجأ وبكى ، يقول اللّه تعالى لجبريل رد عيه حلاوة محبتي ، فقد وجدته صادقا ، وإذا نسخ حلاوة المحبة من قلب العبد فلم يبتهل ولم يتضرع ، لم يرد إليه شيئا وسلبه تلك الحلاوة ، والعياذ باللّه من السلب بعد العطاء . ويستعين العبد على معرفة قدر النعم ، بالتفكر فيها ، وبالتفكر في حال نفسه قبل وجودها ، فينظر إذا كان غنيّا إلى حال فقره المتقدم حسّا أو معنى ، وينظر إذا كان صحيحا إلى حال مرضه ، وينظر إذا كان طائعا في حال عصيانه ، وينظر إذا كان ذاكرا إلى وقت غفلته ، وينظر إذا كان عالما إلى وقت جهله ، وبنظر إذا كان مصاحبا