تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
أوان ، وهذا أمر شهير لا يحتاج إلى دليل ، ومن شك فليشاهد ، فيا عجبا ممن ينكر ضوء الشمس بعد طلوعها ، ونور القمر بعد ظهوره ، ولكن كما قال صاحب البردة :
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفمّ طعم الماء من سقم
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
[ النساء : 88 ] ، وأعجب منه من ينكر وجود شيخ التربية ، ويقر بانقطاع أهل الخصوصية ،
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] ، أعني تعمى عن طريق أهل الخصوص ، وتبصر طريق أهل العموم ، كحال الخفاش يبصر في الظلمة ولا يبصر في النور ، فهو عند الناس معذور لفقده ما عند الأقوياء من النور ، وقد يسلط اللّه على عبده الانهماك في الشهوات ويحبسه في سجن الغفلات ، ثم يمن عليه بالتوبة والتيقظ من الغفلة ، ويدخله مع أحبائه مداخل الحضرة ليعرف قدر ما أظهر اللّه عليه من المنة ، كما أبان ذلك بقوله :

198 - ربّما وردت الظّلم عليك ليعرّفك قدر ما منّ به عليك .

قلت : لا شك أن نيل الشيء بعد الطلب ألذّ وأعزّ من المساق بغير تعب ، والمحبة بعد القطيعة أحلى من المحبة بلا قطيعة ، والصفاء بعد الجفاء أصفى من الصفاء بلا جفاء ، وفطام النفس عن مألوفاتها وعوائدها أشد معالجة من النفس السلسة المنقادة من غير تعب ، فيكون الأجر أو القدر على قدر التعب ، فهذه حكمة تقديم ورود الغفلة والشهوة على العبد ، ثم ينقذه منها ليعلم قدر هذه النعمة التي أنعم اللّه بها عليه ، فربما أورد عليك أيها الإنسان الحق تعالى الظلم جمع ظلمة وهي الأغيار والأكدار ، وحب الشهوات والعوائد ، فتغرق في بحارها وتسجن في سجون ظلماتها ، ثم ينقذك منها في ساعة واحدة ، وذلك لتعرف بعد الفتح قدر ما منّ اللّه به عليك ، فتزداد محبة وشكرا ، ويعظم السر عندك محلا وقدرا ، فتعرف حقه وتصونه عمن لا يستحقه ، ولأجل هذا جعل اللّه الجنة محفوفة بالمكاره ، ليعرف العبد بعد دخولها قدر النعمة التي منّ اللّه بها عليه ، وكذلك جنة العارف محفوفة بالمكاره ، ليعرف العارف قدر السر الذي كشف به ، والخير الذي منحه اللّه إياه . واعلم أن هذه الظلم التي ترد على القلوب فتحجبه عن علّام الغيوب هي