تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
التي هي في مظاهر العبودية ، فالربوبية بلا عبودية نقص يلزم عليه إبطال حكمته ، والعبودية بلا ربوبية محال لا يتصور وجوده :
من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال
ولأجل هذا المعنى كان العارفون إذا تحققوا هذا السر ، وهو أن العبودية لا وجود لها من ذاتها ، وإنما حكمة وجودها صور سر الربوبية بإظهار أحكام العبودية ، وعرفوا ذلك حالا وذوقا ، كانت عبادتهم شكرا ، وكانوا محمولين غير حاملين عملهم باللّه للّه ، فعبادة هؤلاء كثيرة عظيمة في المعنى ، وإن كانت قليلة في الحس ولا تقل أبدا ، إذ تصرفاتهم كلها عبادة ، نومهم عبادة ، وأكلهم عبادة ، ومشيهم عبادة ، وفي مثل هؤلاء ورد الحديث : « نوم العالم عبادة « 1 » » . وقال أيضا : « رجال يدخلون الجنة على الفرش الممهّدة ، قيل : من هم يا رسول اللّه ؟ قال : الذاكرون اللّه كثيرا « 2 » » أو كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ذكره المنذري . وقال أبو سليمان : قد يدرك العارف على فراشه ما لا يدركه في صلاته ، ولا يستغرب العبد من نفسه بلوغ هذا المقام ، فإن فضل اللّه لا ينال بسبب ، وقدرة اللّه صالحة لدرك كل مطلب ، كما أبان ذلك بقوله :

197 - من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً

. قلت : لا شك أن الحق تعالى لا يعجزه شيء ، هو الغالب على أمره ، وقلوب عباده بيده يصرفها كيف شاء ويقلبها حيث شاء ، فمن كان منهمكا في الغفلة ، مستغرقا في بحار الشهوة ، فلا يستغرب أن ينقذه اللّه من غفلته ، وأن يخرجه من وجود شهوته ، فإن ذلك قدح في إيمانه ، وكيف يستغرب ذلك وربنا تعالى يقول :
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
هامش
( 1 ) ذكره الديلمي في الفردوس ( 4 / 247 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 / 431 ) . قلت : وهو قول أحد التابعين ، ولا أصل له كحديث مرفوع . ( 2 ) رواه ابن حبان ( 2 / 124 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 2 / 359 ) ، وذكره الهيثمي في المجمع ( 10 / 78 ) ، بنحوه ، وقال : إسناده حسن .