تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
يساقون إلى الجنة بالسلاسل « 1 » » . قال بعض العلماء : يجوز أن يكون معنى التعجب المنسوب إلى اللّه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه لأنه بديع الشأن ، وهو أن الجنة التي أخبر اللّه بما فيها من النعيم المقيم ، والخلود في العيش الرغد الدائم ، ومن حكم من سمع بها من ذوي العقل أن يسارع إليها ، ويبذل جهده فيها ، ويحتمل المكاره ، والمشقات لينالها ، وهؤلاء يفرون منها ويرغبون عنها حتى يقادوا إليها بالسلاسل ، كما يقاد إلى المكاره العظيمة التي تنفر منها الطباع انتهى . ثم إن الحق سبحانه غني عن الانتفاع بالمنافع ، فما أمرك بهذا ونهاك عن هذا إلا لما لك فيه من جلب المنافع ودفع المضار ، أوجب عليك وجود طاعته ، وما أوجب عليك إلا دخول جنته . قال بعض الحكماء : واعلم أن في الطاعات تفاوتا ودرجات ، وفي المخالفة كبائر ودركات ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما يرى أهل الأرض الكوكب الدّرّيّ في أفق السماء ، قيل يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء ؟ قال : والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللّه وصدّقوا المرسلين « 2 » » . وقال آخر : الناس ثلاثة : عبد أطاع اللّه عبودية وشكرا وامتثالا وقياما بحق الخدمة فزاده الوجوب شرفا وعلو درجة . وعبد أطاع اللّه تعظيما للموجب ، فالوجوب في حقه تنبيه وإظهار للحكمة . وعبد أطاع اللّه خوفا من عذابه ورجاء في ثوابه ، ولولا ذلك ما عبده ، فالوجوب في حقه لطيف به ، وفي الكل خير ، وشتان ما بينهما انتهى . قلت : والتحقيق إنما هما قسمان : قسم أطاع على التكليف ، وهم أهل التكثيف ، وقسم أطاع على التعظيم ، وهم أهل التعليم والتعريف . أهل الحجاب أطاعوا خوفا وطمعا ، وأهل العيان أطاعوا حبّا وشكرا ، وهو مقام الأنبياء وخواص الأولياء ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أفلا أكون عبدا شكورا « 3 » » ، فالحكمة عند أهل الباطن في وجوب الخدمة إنما هي إظهار لستر سر الربوبية
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 256 ) ، والمحاملي في أماليه ( 1 / 422 ) ، والرافعي في التدوين ( 4 / 120 ) ، وأورده ابن رجب في جامع العلوم ( 1 / 362 ) ، والحافظ في الإصابة ( 4 / 196 ) ، والمناوي في الفيض ( 4 / 253 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 71 ) به وبنحوه عن أبي أمامة مرفوعا . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 118 ) ، ومسلم ( 4 / 177 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 1 / 380 ) ، ومسلم ( 4 / 2171 ) .