تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
الهوى ومحبة المولى ، وباللّه التوفيق . ولما كان من شأن النفس الأمارة التكاسل عن الطاعات قيدها الحق تعالى بأعيان الأوقات ، كما أبان ذلك بقوله :

194 - قيّد الطاعات بأعيان الأوقات ، لئلا يمنعك عنها وجود التسويف ، ووسّع عليك الوقت ليبقي لك حصّة الاختيار .

قلت : من شأن النفس تسويف العمل وتطويل الأمل ، فلو تركت مع اختيارها ما توجهت قط إلى ربها ، ولما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا تنهضه المحبة ولا يسوقه إليه مجرد الرغبة ، وإنما تسوقه إليه سلاسل الامتحان بتخويف النيران ، أو شبكة الطمع بنعيم الجنان ، أوعد من حاد عن طاعته بالعذاب الأليم ، ووعد من أطاعه وتقرب إليه بالنعيم المقيم ، ثم فرض عليهم ما تظهر فيه طاعته من الأحكام والفرائض وعين لها أوقاتا مخصوصة ، إذ لو ترك ذلك لاختيار عباده ما أقبل عليه بها إلا القليل من أهل محبته ووداده ، ومن رحمته تعالى أن وسع عليهم في تلك الأوقات ، فبقي لهم في ذلك ضرب من الاختيار . فوسع الظهر مثلا إلى العصر ، والعصر إلى الاصفرار ، والمغرب إلى العشاء ، والعشاء إلى نصف الليل ، والصبح إلى قرب الطلوع ، فقد قيد لك أيها العبد الطاعات التي أوجبها عليك بأعيان الأوقات ، لئلا يمنعك التسويف من فعلها ، فيؤدي ذلك بك إلى تركها ، ووسع عليك الوقت ليبقى لك حصة : أي ضربا ونصيبا من الاختيار ، إذ لو ضيق عليك الوقت لكان ذلك في غاية الحرج ، والاضطرار ، فالحمد للّه على منته وسعة رحمته . وقد قيل : إن اللّه سبحانه يقول لعبده : « ألم أخرجك من العدم إلى الوجود ؟ وأمدك بأمداد الفضل والجود ؟ جعلت لك نورا في بصرك لتدرك به أدلة قدرتي وعظيم آياتي ؟ وجعلت لك نورا في بصيرتك لتفهم به خطابي ، وتتقي بالطاعة عقابي وترجو ثوابي ؟ فوعدتك الثواب على الطاعة ، وأوعدتك العقاب على المخالفة ، ثم كلفتك من العمل ما تطيق ، ووسعت عليك في الأوقات كل ضيق ، فلو أنك قضيت ما أوجبت عليك في أول عمرك في آخره لقبلته منك ، فمن ذا الذي منعك من الامتثال ولم يكن بك عذر غير الغواية والضلال ؟ » انتهى . وقد قيل في المثل : من طلب جاب ، ومن هاب خاب ، وانظر قرن اللّه الهداية بالمجاهدة ، وأوجب