سبحانه على نفسه ما لم يجب عليه ، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[ العنكبوت : 69 ] ، وأنشدوا في هذا المعنى :
لو صحّ منك الهوى أرشدت للجبل * والصدق سيف ينيل غاية الأمل
فكن أخا همّة تسمو بصاحبها * ولا تكن بالتواني محبط العمل
وكان الربيع بن خيثم يردد هذه الآية ويبكي وهي قوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ الجاثية : 21 ] ، وكان يصيح : ليت شعري من أي الفريقين أنت يا نفسي ؟ وهذه الآية تسمى مبكية العابدين .
وقال سهل رضي اللّه تعالى عنه في معنى هذه الآية : ليس أهل الموافقة كأهل المخالفة ، أهل الموافقة :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 55 ] ، وأهل المخالفة في عذاب السعير انتهى . ولما ذكر حكمة توقيت الطاعة ذكر حكمة إيجابها على عباده فقال :
195 - علم قلة نهوض العباد إلى معاملته ، فأوجب عليهم وجود طاعته ، فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب ، عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنّة بالسلاسل .
196 - أوجب عليك وجود طاعته ، وما أوجب عليك إلا دخول جنته .
قلت : هذه حكمة التشريع ، لكنه ما ذكر إلا حكمة أهل الظاهر . حاصلها : أن الحق سبحانه من حكمته لما علم من عباده قلة النهوض إلى معاملته لأنه قال :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] ، وقال أيضا :
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
[ ص : 24 ] ، فلما علم ذلك أوجب عليهم طاعته ، وأوعدهم على تركها بالعقوبة ، فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب ، ثم ذكر الشيخ حديثا ورد في شأن الأسارى إشارة إلى أن العبد لا اختيار له ، فهو أسير في يد قدرة القدير ، والحديث مشهور وهو قوله عليه السلام : « عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل » ، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يدعو إلى اللّه وإلى دخول حضرته فمن وافقه نجا ، ومن خالفه جعل له السلسلة في عنقه وساقه إلى حضرة ربه ، ولفظ الحديث : « عجب اللّه من قوم