تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
وهاهنا ميزان آخر تعرف به العمل الذي فيه حظ النفس وهواها ، وما لاحظ لها فيه هو أن تعرض عليها الموت ، وأنت في ذلك العمل ، فإن رضيت بالموت وهي في ذلك العمل ، فالعمل صحيح ، وإن لم ترض بالموت وهي في ذلك العمل ، فالعمل باطل ، فكل عمل لا يهزمه الموت فهو صحيح ، وكل عمل يهزمه الموت فهو باطل ، يعني فيه الهوى والحظ ، وكذلك الإنسان يزن نفسه بهذا الميزان ليعرف هل رحل من هذا العالم أو هو باق ؟ فيعرض الموت على نفسه في حال عافية وجمال ، فإذا قبلت الموت ، ولم تفر منه فليعلم أنه رحل من هذا العالم ، وإن لم تقبل نفسه الموت وطلبت البقاء ففيه بقية بقدر ما تفر منه ، وباللّه التوفيق . ثم ذكر الشيخ ميزانا آخر يعرف به اتباع الهوى من الحق ، فقال :

193 - من علامة اتّباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات ، والتّكاسل عن القيام بالواجبات .

قلت : هذا ميزان آخر ، وإن شئت قلت : هو داخل في الميزان الأول ، إذ من شأن النفس أن يثقل عليها الواجب لمشاركة الناس لها فيه ، إذ جلّ الناس يفعلونه ، فلا يظهر لها فيه مزية على غيرها ، وهي أبدا تحب الخصوصية ، بخلاف النوافل فإنها تبطش إليها وتحب أن تنفرد بها ، إما لطلب المدح والثناء ، وإما لطلب الأجور من القصور والحور ، وهذا كله عند المحققين من الحظوظ الجلية أو الخفية ، فالمسارعة إلى نوافل الخيرات ، وفضائل الطاعات مع التكاسل عن الفروض الواجبات من علامة الهوى ، فيجب على الإنسان أن يقدم الفرض الواجب ، ولا يقدم عليه إلا ما هو من كماله : كانوافل قبله وبعده إعانة على الحضور فيه ، فإن حصل الحضور استغنى عن الوسيلة ، والنافلة الكبرى عندنا : هي الاستغراق في مشاهدة مولاه بين فكرة ونظرة ، أو ما يوصل إلى هذا المقام من مذاكرة أو ذكر ، ومن رفض الدنيا بحذافيرها وغاب عن نفسه وجنسه فقد جمع الفرائض والنوافل كلها ولو بات نائما وظل مفطرا . وفي بعض أخبار سيدنا داود عليه السلام قال : يا رب أين أجدك ؟ فقال له : اترك نفسك وتعال : أي غب عنها تجدني أقرب إليك منها . وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : عليك بورد واحد وهو إسقاط