187 - العبارة قوت لعائلة قلوب المستمعين ، وليس لك منها إلا ما أنت له آكل .
قلت : العائل هو الفقير ، والعائلة جمع له ، فعبارة العارفين قوت لقلوب الفقراء الطالبين لزيادة إيقان قلوبهم ومشاهدة محبوبهم ، فلا يزالون في حضانة الشيوخ وعيالهم ، حتى يكمل إيقانهم وترشد أحوالهم ، فحينئذ يستقلون بأنفسهم ، وعلامة رشدهم أنهم يأخذون النصيب من كل شيء ، ولا ينقص من حالهم شيء ، يفهمون عن اللّه في كل شيء ، ويعرفون في كل شيء ، ويشربون من كل شيء ، فإذا كانوا كذلك فقد استقلوا بأنفسهم ، وتأهلوا لإرشاد غيرهم . قال بعض الحكماء : من لم يفهم صرير الباب ، ولا طنين الذباب ، ولا نبيح الكلاب ، فليس من ذوي الألباب . وأما من لم يبلغ هذا المقام فلابد أن يلزم العش في حضانة من يرزقه ويطعمه ، فإذا طار من العش قبل تربية الجناح اصطادته الكلاب والبيزان ، ولعبت به النساء والصبيان ، فإذا كان في عش الشيخ ، وكان يطعمه مع غيره ، فليس له من القوت إلا ما يقدر أن يأكله ، وإلا قتله ، فليس طعام الصبي الصغير كطعام الرجل الكبير ، وكذلك عبارة الشيوخ للمريدين : كل واحد يأخذ ما يليق بحاله ، فالشيوخ يذكرون في الجملة ، فيذكرون أحوال البدايات والنهايات والوسط ، وكل واحد يأخذ ما يليق به :
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ الأعراف : 160 ] ، فلا يتعلق المبتدئ بمذاكرة المنتهي فيفسد ، كما إذا أكل الطفل الصغير طعام الكبير يقف في حلقه ، وإذا أكل الكبير طعام الصغير لا يشبعه ، هذا معنى قول الشيخ : وليس لك منها إلا ما أنت [ له « 1 » ] آكل : أي ليس لك من قوت العبارة إلا ما أنت قادر على أكله ، وإلا غصصت به ، واللّه تعالى أعلم . وقد سألني بعض الإخوان عن قوت الروحانية والبشرية ، فقلت : قوت البشرية معلوم ، وقوت الروحانية على وزان قوت البشرية ، فالصبي لا يطيق الطعام الخشن حتى يكبر ، كذلك الروح تربى شيئا فشيئا ، فتطعم أولا ذكر اللسان فقط ، ثم ذكر القلب مع اللسان ، ثم ذكر القلب فقط ، ثم ذكر الروح وهو الفكرة ، ثم ذكر السر وهو النظرة ، ثم تأكل
هامش
( 1 ) ما بين [ ] ليس في مطبوعة الحلبي .