186 - عبارتهم إمّا لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد .
قلت : ما اشتملت عليه قلوب العارفين من المعارف وأسرار التوحيد وغوامض العلوم التي لا تطيقها جل الفهوم هو سر من أسرار اللّه ، وهم أمناء اللّه عليها ، فلا يطلعون عليها إلا من رأوه أهلا لها ، إلا من كان مغلوبا على حاله ، لا يقدر على إمساكها ، وهو من لم يتمكن من حاله فيها ، فعبارتهم إذا إما لفيضان وجد غلبه ، فلم يقدر على إمساكه ، أو لأجل هداية مريد وإرشاده وترقيته إلى مقام استحق الاطلاع عليه ، وإلا فلا يظهرون من تلك الأسرار قليلا ولا أقل من القليل ، وقد تقدم قول بعضهم : قلوب الأحرار قبور الأسرار .
وقال آخر :
لا يكتم السر إلا كلّ ذي ثقة * فالسرّ عند خيار النّاس مكتوم
ثم بين حال الفريقين ، ومقام الرجلين ، فقال : [ الأوّل حال السالكين ] . وهم المستشرفون من السائرين ، حققوا ولم يتمكنوا ، فهم مملوكون في يد الأحوال ، إذا غلب عليهم الوجد فاضوا ولم يشعروا ، وإذا رجعوا إلى أنفسهم ندموا واستغفروا ، ثم بين حال الثاني فقال :
[ والثاني حال أرباب المكنة والمتحققين ] . وهم الراسخون المتمكنون ، فلا يعبرون عن تلك الأسرار إلا لأجل هداية المريدين ، وتربية السالكين ، وترقية السائرين ، وأما لغير هؤلاء فلا ، فإن عبر عنها السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى ، وإن عبر عنها المتمكن من غير قصد هداية كان في ذلك إفشاء لأسرار الربوبية ، وهي عندهم أعز من الكبريت الأحمر ، وقد كان الرجل يخدمهم سنين ، فلا يظهرون له منها قليلا ولا كثيرا ، حتى إذا رأوه أعطى نفسه وفلسه وبذل روحه بالكلية أشاروا إليه إشارة خفية . فقد ذكر شيخ شيوخنا سيدي علي في كتابه : أن طائفة من المريدين خدموا شيخنا ثلاثين سنة ، ثم قالوا له : يا سيدنا أردنا أن تعرفنا بربنا ، فقال لهم : نعم غدا ائتوني لداري ، فلما أتوه أخرج لهم صبيا صغيرا ، فوجهه إليهم ثم دخل ، فانظر هذه الإشارة ما ألطفها وأخفاها ، ثم منّ اللّه على أهل هذا الزمان برجال كرام من صحبهم بالصدق منحوه من الأسرار في يسير من الزمان ما لم يدركه المتقدمون في