الرّاح شيء شريف أنت شاربه * فاشرب ولو حمّلتك الرّاح أوزارا
يا من يلوم على صهباء صافية * خذ الجنان ودعني أسكن النّارا
فقال بعض فقهاء الظاهر : لا يجوز قراءة هذه الأبيات ، فقال الشيخ مكين الدين : قل ودعه ، فإنه رجل محجوب ، يعني أنه لا يفهم إلا الشراب الحسي دون المعنوي وهو جمود ، واللّه تعالى أعلم .
ثم إن العبارة لا تدل على حال المعبر ، فقد يكون فوق ما يقول ، وقد يكون دون ما يقول ، كما أشار إلى بيان ذلك بقوله :
188 - ربّما عبّر عن المقام من استشرف عليه ، وربّما عبّر عنه من وصل إليه ، وذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة .
قلت : العبارة لا تدل على نهاية المعبر ، ولا وصوله إلى ما عبر عنه ، فقد يعبر عن المقام من لم يصل إليه ، ولكن استشرف عليه ، وقد يعبر عنه من وصل إليه ، وربما عبر عن المقام وقدمه فوق ما عبر عنه ، وذلك ملتبس ، إذ لا يعرف المستشرف من الواصل إلا ذو بصيرة نافذة ، يعني من فتح عليه في المعرفة ، فكل من فتح عليه في معرفة اللّه ورفع عنه الحجاب عرف كلام الواصل من المستشرف ، فليس من خالط البلد ووصفها ثم نعتها كمن استشرف عليها ، ولم يدخلها ثم جعل ينعتها . قال بعضهم : وقد يعرف المستشرف بطول التعبير ، والواصل باختصاره ، فالمستشرف يطول العبارة ويكررها ، والواصل من أول مرة يدركها ، وقد قالوا : العارف بالضرب لا يكثر الهنى ، والعارف بالمفاصل لا يكثر الحنى . قلت : وهذه القاعدة ليست كلية ، إذ كثير من العارفين الواصلين تطول عبارتهم لمعرفتهم بمفاصل الخطاب ، ومن المستشرفين من تقصر عبارتهم . قال المؤلف رضي اللّه تعالى عنه : الاستشراف والوصل ليس إلا مراتب التوجه للتحقق بالعجز ، فمن وصل لمعرفة العجز عن الوصول فهو الواصل ، لكن العجز لا يكون إلا بعد الاتصاف به حقيقة لا مجازا ، وذلك أن الجاهل عجزه حالي قهري ، والعارف عجزه جلالي رحماني : قلت : المراد بالعجز في حقه الحيرة والدهش أولا ، ثم العجز عن الإحاطة والكنه ثانيا ، ثم قال : يشهد لذلك أن الجاهل متى تحرك وقع في الحظوظ ، والعارف لا يتحقق إلا