الأزمنة الطويلة ، جزاهم اللّه عن الأمة المحمدية خيرا . وقد تكلم الشيخ أبو الحسن على حال السالكين والواصلين بكلام طويل ذكره في « لطائف المنن » ، ونقله الشطيبي فقال : إن للّه عبادا محق أفعالهم بأفعاله ، وأوصافهم بأوصافه ، وذاتهم بذاته ، وحملهم من أوصافه ما يعجز عن سماعه عامة الخلق ، فهم مغرقون في بحر الذات وتيار الصفات فنوا عن أفعالهم ، ثم فنوا عن صفاتهم ثم فنوا عن ذاتهم ، وبقوا بذات اللّه تعالى ، ولم يبق لهم منهم شيء ، ومن كان في اللّه تلفه كان على اللّه خلفه ، ومن صح فناؤه صح بقاؤه . ثم قال : واعلم أن الفناء يوجب الغيبة عما سوى اللّه .
قلت : وهو مقام السالكين ، والبقاء يوجب إيجاد كل شيء مع اللّه يعني باللّه ، فصاحب الفناء يقوم اللّه عنه ، وصاحب البقاء يقوم باللّه عن اللّه ، وهما ولايتان : فولي يتولى اللّه ورسوله والذين آمنوا ، وولي يتولاه اللّه ، وهو يتولى الصالحين . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه :
وعلامة الولاية الرضا بالقضاء ، والصبر على البلاء ، والفرار إلى اللّه عند الشدائد ، والرجوع إليه عند النوائب ، فمن أعطي هذه الأربعة من خزائن الأعمال والمجاهدة فقد صحت ولايته للّه ورسوله وللمؤمنين ، ومن أعطيهما من خزائن المنن والمواددة فقد تمت ولاية اللّه له ، فالولاية الأولى ولاية صغرى ، والولاية الثانية ولاية كبرى ، قيل له : كيف يتولى اللّه ورسوله والذين آمنوا ؟ قال : يتولى اللّه بالمجاهدة لقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] ، ويتولى الرسول بالمتابعة :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] ،
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] ، ويتولى المؤمنين بالاقتداء بهم ، وهي علامات من خاض بحر الولاية ، وأما الذين تولاهم اللّه فهم الذين صلحوا لحضرته ، وغابوا عن خليقته ، فلا يرون في الوجود إلا اللّه ، الأولى تسمى ولاية إيمان ، وهذه ولاية إيقان ، فقيل له : وما الفرق بين الإيمان والإيقان ؟ قال : كل يقين إيمان وليس كل إيمان إيقانا ، فالإيمان ربما تدخله الغفلة ، والإيقان لا تدخله الغفلة ، المؤمن يتجلى له الحق دون كل شيء ، والموقن يتجلى له الحق في كل شيء ، المؤمن فان عن كل شيء ، فلم يشهد مع اللّه شيئا ، والموقن باق في كل شيء ، فهو يشهد اللّه في كل شيء انتهى .
ثم بين المؤلف رضي اللّه تعالى عنه فائدة التعبير وثمرة العبارة فقال :