تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
بالحقوق ، والجاهل نصيبه الوهم ، والعارف نصيبه الفهم ، الجاهل طالب للعلم ، والعارف طالب للمعلوم ، الجاهل تابع بنظره للصور الحسية ، والعارف غائص ببصيرته مع الأرواح المعنوية ، وجميع المراتب والمقامات مراحل بين الحس والمعنى ، وانتقال من الهياكل الجسمية للعوالم القلبية ، ثم من العوالم القلبية إلى الحقائق الروحانية ، ثم من الحقائق الروحانية إلى الأسرار الربانية ، ثم من الأسرار الربانية إلى المعارف التوحيدية انتهى . ثم لا ينبغي للسالك أن يعبر عن هذه الأسرار إذا واجهته في طريق السلوك ، كما أبان ذلك بقوله :

189 - لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن وارداته ، فإنّ ذلك مما يقلّل عملها في قلبه ، ويمنعه وجود الصّدق فيها مع ربّه .

قلت : المريد في حال سيره مأمور بالكتمان لعلمه وعمله وحال وارداته ، فإفشاؤه لعمله من قلة إخلاصه ، وإفشاؤه لأحواله من قلة صدقه مع ربه ، وأيضا الأحوال تأتي من حضرة قهار فتتزعج القلوب خوفا ، وتقلقها شوقا ، فإذا أفشى ذلك كان تبريدا لها وإطفاء لنورها ، كمن غلت قدرته فصب فيها الماء البارد فيطول عليه غليانها ثانيا ، ولو قلل نارها وحركها لاستفاد إدامتها ، كذلك الواردات الإلهية تفجأ القلوب لتحركها إلى النهوض إلى مولاها ، فإذا أفشاها وذكرها للناس قل علمها في قلبه ، ودل على عدم صدقه فيها مع ربه . قلت : ومن ذلك استعمال الأحوال التي تميت النفوس لا ينبغي إفشاؤها ، فللنفس حظ في ذلك ، لأنها مجبولة على حب المدح والذكر الحسن ، ولو من الإخوان ، وكثيرا ما ترى بعض الفقراء يذكرونها ويتبجحون بها وهو غير صواب ، نعم إن كان يقتدي به فيذكرها للاقتداء ، ولإنهاض الفقراء ، فذلك حسن مع نية حسنة ، وكثيرا ما تستعمل هذه الأحوال في حال السؤال ، فلذلك ذكره بأثر . أو تقول : لما كان التعبير عن الواردات الإلهية ، مما يوجب الإقبال والتعظيم ، فيؤدي ذلك إلى العطاء ، فيحتاج إلى آداب القبض بين ذلك بقوله :

190 - لا تمدّنّ يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أنّ المعطي فيهم مولاك ، فإن كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم .

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 393 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى