تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
كل شيء ، وتشرب من كل شيء ، حتى تسرط « 1 » الكون بأسره ، فلو أعطيتها الفكرة أو النظرة الذي هو طعام الرجال أول مرة وهي في مقام الأطفال للفظته وطرحته ، فإذا بلغت الروح أن تأكل كل شيء ، وتشرب من كل شيء ، فقد صح لها أن تطير في الملكوت الأعلى ، وتذهب حيث تشاء ، وقد يختلف الشرب لجماعة من آنية واحدة لاختلاف مقامهم ، كقضية الرجال الذين سمعوا قائلا يقول : يا سعتر بري ، وذلك أن رجلا في الصفا بمكة صاح يا سعترا ابري لرجل آخر كان اسمه ذلك فسمعه الثلاثة ، فكل واحد تعلق بذهنه ما يليق بحاله ، فسمع أحدهم الساعة ترى بري ، وسمع الآخر : اسع ترى بري ، وسمع الثالث : ما أوسع بري ، فالأول كان مستشرفا ، والثاني مبتدئا ، والثالث كان واصلا . وكذلك قضية ابن الجوزي كان يقرأ ببغداد اثني عشر علما ، فخرج يوما لبعض شؤونه ، فسمع قائلا يقول :
إذا العشرون من شعبان ولّت * فواصل شرب ليلك بالنّهار ولا تشرب بأقداح صغار * فقد ضاق الزمان على الصّغار
فخرج هائما على وجهه إلى مكة ، فلم يزل يعبد اللّه بها حتى مات رحمه اللّه ، ففهم من الشاعر انصراف العمر وضيق زمان الدنيا كله . قال في لطائف المنن : واعلم أن هذه المفهومات المعنوية الخارجة عن الفهم الظاهر ليست بإحالة اللفظ عن مفهومه ، بل هو فهم زائد على الفهم العام ، يهبه اللّه لهذه الطائفة من أرباب القلوب ، وهو من باطن الحكم المندرج في ظاهره اندراج النبات في الحبة ، وذلك أن المدد النوراني والفتح الرباني يتصل بعضه ببعض إلى الطرف الظاهر ، فحيث « 2 » انتهت القوة انتهى الإدراك ، فربما فهموا ما يوافق ظاهر المعنى الباطني ، وربما خالفه من جهة ما ، وربما كان الفهم بعكس ظاهره . وقد كان الشيخ مكين الدين بن الأسمر رضي اللّه تعالى عنه ممن يشهد له الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه بالولاية الكبرى ، والمكاشفة العظمى ، فأنشد إنسان في مجلسه :
لو كان لي مسعد بالرّاح يسعدني * لما انتظرت لشرب الرّاح إفطارا
هامش
( 1 ) سرط الشيء : ابتلعه ، وسار سيرا سهلا . ( 2 ) في المطبوع : حيث .