تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وما تخلص التصوف ولا تهذب إلا على يديه ، فقد قرب المدارك وبين المسالك في أحسن عبارة ، وأوجز لفظ وإشارة ، جزاه اللّه عن المسلمين خيرا ، ثم بين رضي اللّه تعالى عنه الكلام الذي لم يؤذن لصاحبه في التعبير عنه ، فقال :

185 - ربّما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بإظهار .

قلت : قد يتكلم الإنسان بحكم وحقائق ، مع فصاحة وبلاغة وشقاشق ، لكنها مكسوفة الأنوار ، مطموسة الأسرار ، ليس فيها حلاوة ، ولا عليها طلاوة ، وسبب ذلك عدم الإذن فيها ، إذ لو أذن له في التعبير لظهر عليها كسوة التنوير . قال في لطائف المنن : من أجل مواهب اللّه لأوليائه وجود العبارة . قال : وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : الولي يكون مشحونا بالمعارف والعلوم ، والحقائق لديه مشهودة « 1 » ، حتى إذا أعطى العبارة كان ذلك كالإذن من اللّه في الكلام . قال وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة ، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار حتى إن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وترد على الآخر . انتهى . قلت : وينبغي لأهل التعبير أن يخاطبوا الناس بقدر ما يفهمون ، فليس التعبير لأهل البداية كأهل النهاية وفي الحديث : « خاطبوا النّاس بقدر ما يفهمون « 2 » » . نعم إن ضاق الوقت على التفريق جمع الكل وذكر في البداية والوسط والنهاية ، وكل واحد يأخذ نصيبه ويشرب من منهله :
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ البقرة : 60 ] . وهذه كانت طريقة الجنيد رضي اللّه تعالى عنه ، يلقي الحقائق على رؤوس الأشهاد ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : علمنا محفوظ أن يأخذه غير أهله أو ما هذا معناه ، ثم عبارتهم بعد الإذن لا تكون إلا لحكمة بينها الشيخ بقوله :
هامش
( 1 ) بالمطبوع مشهورة وما أثبتناه هو الصواب . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 398 ) ، وابن حجر في اللسان ( 6 / 274 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 225 ) .