حوانيت مغلقة ، فإذا تكلموا فقد فتحوا ، هناك يتبين البيطار من العطار ، وقالوا أيضا : الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب ، وإذا خرج من اللسان حده الآذان ، وإنهاض الحال أكثر من المقال ، وإذا اجتمع الحال والمقال فهو البحر الطام ، والنجم الثاقب التام . وقال بعض العارفين : من كان قلبه روحانيّا كان كلامه معنويّا ينزل من القلوب في أوسع ساحاتها ، ومن كان قلبه نفسيا كان كلامه حسيّا ، يعني لا يتكلم إلا في الحس ، ولا يخوض إلا فيه ، ومن طمس أذن قلبه حجب الدنيا ، فلا يسمع ولا يسمع ، وقد يكون من الناس من هو عالم اللسان جاهل القلب ، وعلامته ترجيح حديث الدنيا على حديث الآخرة ، أو حديث الحس على حديث المعنى ، ومن مثل هذا الحذر الحذر ، لأن قلبه ميت ، فكلامه كله على الميتة ، والميتة هي الجيفة قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا جيفة وطلابها كلاب « 1 » » ، فمن تكلم على الدنيا ، فمثله كالكلب ، ولا خير في كلب ولو كان عالما ، قاله الشطيبي ، ثم إن هذه الكسوة التي تبرز على الكلام إنما هي من نتائج الإذن من اللّه فيه ، وأما إذا لم يكن إذن فيه فلا كسوة عليه ، كما أبان ذلك بقوله :
184 - من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته ، وجلبت إليهم إشارته .
قلت : الإذن في التعبير إنما يكون على يد الشيخ الكامل العارف الذي أهلّه اللّه للتربية ، ونصّبه للتوصيل والترقية ، فإذا رأى على تلميذه أهلية التذكير أذن له في التعبير ، فإذا عبر أخذ بمجامع القلوب ، وفاض من لسانه أسرار علم الغيوب ، فتحسن في مسامع الخلق عبارته ، وتجلى إليهم إشارته أي تظهر وتفهم ، ولا عبرة عند المحققين بلحن الكلام وإعرابه ، ولا خطأ في رفعه ونصبه من صوابه ، وإنما العبرة بالمعاني دون القوالب والأواني ، يحكى أن بعض النحويين دخل مجلس الحسن بن سمعون ليسمع كلامه فوجده يلحن ، فانصرف ذامّا له ، فبلغ ذلك الحسن ، فكتب له : إنك من كثرة الإعجاب رضيت بالوقوف دون الباب ، فاعتمدت على ضبط أقوالك مع لحن أفعالك ، وإنك قد تهت بين خفض ورفع ونصب وجزم ، فانقطعت عن المقصود ، هلّا
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 1 / 112 ) .