اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، وسئل مالك عن الحكمة ؟ فقال : ما زهد عبد واتقى إلا أنطقه اللّه بالحكمة ، ثم قال : من أراد أن يفتح اللّه عين قلبه فليكن عمله في السر أكثر من عمله في العلانية ، لأن عمل السر منبع الإخلاص ، والإخلاص منبع الحكمة ، وسئل مرة أخرى عن الحكمة أيضا فقال : نور يقذفه اللّه في قلب العبد المؤمن من فسحة الملك انتهى . فأهل التنوير هم الحكماء ، وهم العارفون باللّه ، وللّه در القائل في وصفهم حيث قال :
هينون لينون أيسار بنو يسر * سوّاس مكرمة أبناء أيسار
لا ينطقون بغير الحق إن نطقوا * ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم * مثل النجوم التي يسري بها الساري
وقولنا في وصفهم : يشهدون ما من اللّه إلى اللّه يعني أنهم غائبون عن أنفسهم لا يرون إلا تصريف الحق في مظاهر أنواره . قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : الناس على ثلاثة : عبد يشهد ما منه إلى اللّه ، وعبد يشهد ما من اللّه إليه ، وعبد يشهد ما من اللّه إلى اللّه ، الأول : ذو حزن وأشجان ، والثاني : ذو فرح وامتنان ، والثالث : لم يشغله عن اللّه خوف نار ولا مثوى جنان ، الأول : ذو كدّ وتكليف ، والثاني : ذو عناية وتعريف ، والثالث : مشاهد للمولى اللطيف ، ثم قال : وقليل العمل مع شهود المنة خير من كثيره مع رؤية التقصير من النفس انتهى مختصرا . ثم ذكر علامة التعبير الذي يسبقه التنوير ، والذي يسبقه التكدير ، فقال :
183 - كلّ كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز .
قلت : علامة الكلام الذي يسبقه التنوير هو تأثيره في القلوب ، وتهييجه الأرواح وتشويقه الأسرار ، فإذا سمعه الغافل تنبه ، وإذا سمعه العاصي انزجر ، وإذا سمعه الطائع زاد نشاطه ، وعظم شوقه ، وإذا سمعه السائر طوي عنه تعب سيره ، وإذا سمعه الواصل تمكن من حاله ، فالكلام صفة المتكلم ، فإذا كان المتكلم ذا تنوير وقع في قلوب السامعين ، وإذا كان ذا تكدير حد كلامه آذان المستمعين ، فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ، ولذلك قال سيدنا علي كرم اللّه وجهه : من تكلم عرفناه من ساعته ، ومن لم يتكلم عرفناه من يومه ، وقيل : الناس