فهؤلاء إذا عبروا عما منحهم اللّه من المعارف والأسرار والعلوم والأنوار والكرامات والفتوحات والمواهب ، وذكروا فأمروا ونهوا دام تعبيرهم ، ونفع تذكيرهم ، فإذا أساءوا لم تصمتهم إساءتهم لأن إساءتهم من أنفسهم ، وتعبيرهم من بساط إحسان اللّه إليهم ، وإحسانه لا يكدره شيء ، وقولنا : من أنفسهم أعني أدبا فقط ، إذ هم لا يشهدون إلا تصريف الحق فيهم ، فلذلك لم تصمتهم إساءتهم لأنهم مغموسون في بحر المنة ، لا يشهدون في الكون سواه ، وأيضا من عبر من بساط نفسه نادته مساوئه اسكت ، أما تذكر فعلك القبيح ، ووصفك الذميم ، فيسكت خجلا ، ومن عبر من بساط إحسان اللّه غابت عنه مساوئه لغيبته في محاسن مولاه ، فلا يشهد إلا إياه ، فإذا أراد أن يعبر سبق نور معرفته إلى قلوب عباده ، فيسري فيهم التعبير ، ويأخذ بقلوبهم التذكير ، كما أبان ذلك بقوله :
182 - تسبق أنوار الحكماء أقوالهم ، فحيثما صار التنوير وصل التعبير .
قلت : الحكماء هم العارفون باللّه الذين يتكلمون باللّه ، ويصمتون باللّه ، غائبون عن أنفسهم يشهدون ما من اللّه إلى اللّه ، فإذا أرادوا أن يعبروا عما منحهم مولاهم من العلوم والمعارف سبق نور شهودهم إلى القلوب المستمعة ، فتسرى فيهم على قدر صدقهم ، فمنهم من يدخل النور سويداء قلبه ، ومنهم من يقف النور على ظاهر قلبه ، ومنهم من يشرق النور على طرف قلبه ، فإذا عبر العارف عن المقامات والأحوال وصل التعبير على قدر سريان النور ، فمن وصل النور إلى سويداء قلبه نهض من ساعته إلى ربه ، ومن وصل إلى ظاهر قلبه خشع وخضع وعزم على البر والتقوى ، ومن وصل إلى طرف قلبه عرف الحق وصدق ، فحيثما صار التنوير وصل التعبير ، وقولنا في تفسير الحكماء هم العارفون مأخذنا فيه ، قوله عليه السلام : « رأس الحكمة مخافة اللّه « 1 » » انتهى . وأعرف الناس باللّه أشدهم له خشية ، وفيهم قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى
هامش
( 1 ) رواه القضاعي في الشهاب ( 10 / 64 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 372 ) .