الواجب والمستحب ، كأداء الزكاة ، وإطعام الجائع ، وستر العريان ، وإغاثة الملهوف ، وغير ذلك من أنواع الإحسان ، وإذا أقامه الحق تعالى في نشر العلم الظاهر فعلامة إقامة الحق فيه تعليمه للّه ، ونفع عباد اللّه ، والزهد في الدنيا ، والرغبة فيما عند اللّه ، والتواضع والصبر على جفاء المتعلمين ، وهكذا سائر الحرف إذا كان فيها على المنهج الشرعي ، فلا ينتقل عنها بنفسه ، وإذا أقامك الحق تعالى في التجريد فالزم الباب ، وتحلّ بالآداب حتى يفتح لك الباب ، فعلامة إقامته إياك فيه حصول نتائجه ، وهي الترقي في الأحوال والمقامات ، حتى تبلغ النهايات ، والمقامات هي التوبة والتقوى والاستقامة ، والزهد والورع والخوف ، والرجاء والرضا والتسليم ، والإخلاص والصدق والطمأنينة ، والمراقبة والمشاهدة والمعرفة ، وكل مقام له علم وعمل وحال ، فأوله علم وثانيه عمل ، وثالثه حال ثم مقام ، فإذا بلغ إلى مقام المعرفة وتمكن فيها انقطعت المقامات . قال بعضهم : في بحر التوحيد غاصت الأحوال وانطمست المقامات :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] . فحينئذ يغمس في بحر الإحسان ، فإذا عبر من بساط إحسان اللّه له لم يصمت إذا أساء ، كما أبان ذلك بقوله :
181 - من عبّر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة ، ومن عبّر من بساط إحسان اللّه له لم يصمت إذا أساء .
قلت : أهل التعبير وهم أهل التذكير الذين يذكرون عباد اللّه ويعبرون عما منحهم اللّه به من العلوم والمواهب والفتوحات والكرامات على قسمين : علماء وعارفون . أو تقول : أهل الحجاب ، وأهل الفتح ؛ فأهل الحجاب يعبرون من بساط إحسان أنفسهم ، فيقولون : فعلنا كذا ورأينا كذا وفتح علينا في كذا ، وافعلوا أيها الناس كذا واتركوا كذا ، فإذا وقعوا في زلة أو هفوة سكتوا حياء من اللّه ، وخوفا أن يأمروا بما لم يفعلوا ، لأنهم باقون مع نفوسهم ، محجوبون عن ربهم ، فإذا فعلوا طاعة فرحوا بها واعتمدوا عليها ، وإذا فعلوا زلة حزنوا وجزعوا وسقط في أيديهم ، فلما عبروا من بساط إحسان نفوسهم أصمنتهم الإساءة ، وأهل الفتح من العارفين يعبرون من بساط إحسان الحق غائبين عن شهود الخلق ، فانون عن أنفسهم ، باقون بربهم ،