حضرته ، ولكن لا يشعرون ، وهي أعظم من العقوبة في الحس . والحاصل : أن أهل الاستقامة الظاهرية كرامتهم ظاهرية حسية ، وأهل الاستقامة الباطنية كرامتهم باطنية معنوية ، أهل الظاهر من آذاهم عوقب في الظاهر ، وأهل الباطن من آذاهم عوقب في الباطن ، وقد لا يعاقب لأنهم رحمة ، كل من قرب منهم شملته الرحمة كان قربه تسليما أو إنكارا ، هم قوم لا يشقى جليسهم على قدم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حيث قال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون « 1 » » ، وكل ولي أراد اللّه تعالى أن ينتفع الناس على يده لا يعاجل بالعقوبة من آذاه اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، حيث خيره ملك الجبال فحلم صلى اللّه عليه وآله وسلم وعفا ، وقال : « لعل اللّه أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا اللّه « 2 » » ، واللّه تعالى أعلم . وأعظم الكرامة الفهم عن اللّه ، والرضا بقضاء اللّه ، وترك التدبير والاختيار مع اللّه ، وإقامة العبد حيث أقامه اللّه ، كما أبان ذلك بقوله :
180 - من علامات إقامة الحقّ لك في الشيء إدامته إيّاك فيه مع حصول النتائج .
قلت : إذا أقام الحق تعالى عبده في حالة لا يستقبحها الشرع ، ولا يذمها سليم الطبع ، فلا ينبغي له الانتقال عنها بنفسه ، حتى يكون الحق تعالى الذي أدخله فيها ، هو الذي يتولى إخراجه منها ،
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 80 ] ، فالمدخل الصدق أن تدخل في الشيء باللّه لا بنفسك ، والمخرج الصدق أن تخرج منه باللّه لا بنفسك ، فإذا أقامك الحق تعالى في الأسباب فلا تخرج منها بنفسك فتتعب ، فامكث حتى يخرجك الحق تعالى بإشارة صريحة من شيخك ، أو من هاتف من عند ربك ، وقد تقدم هذا في أول الكتاب . ومن علامة إقامة اللّه تعالى لك في ذلك الشيء الذي أنت فيه إدامة الحق إياك في ذلك الشيء مع حصول النتائج ، وسلامة الدين ، والمراد بالنتائج ما يترتب عليه من إعطاء حقه
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1283 ) ، ومسلم ( 3 / 1417 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1180 ) ، ومسلم ( 3 / 1420 ) .