الباب العشرون
قال رضي اللّه تعالى عنه :
179 - ربّما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة
قلت : الكرامة الحسية هي خرق الحس العادي : كالمشي على الماء ، والطيران في الهواء ، وطي الأرض ، ونبع الماء ، وجلب الطعام ، والاطلاع على المغيبات ، وغير ذلك من خوارق العادات .
والكرامة المعنوية : هي استقامة العبد مع ربه في الظاهر والباطن ، وكشف الحجاب عن قلبه حتى عرف مولاه ، والظفر بنفسه ، ومخالفة هواه ، وقوة يقينه وسكونه وطمأنينته باللّه ، والمعتبر عند المحققين هي هذه الكرامة . وأما الكرامة الحسية فلا يطلبونها ولا يلتفتون إليها ، إذ قد تظهر على يد من لم تكمل استقامته ، بل قد تظهر على يد من لا استقامة له أصلا : كالسحرة والكهان ، وقد تظهر على أيدي الرهبان ، وليست بكرامة إنما هي استدراج . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان : كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان ، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوي والمخادعة ، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مغترّ كذاب ، أو ذو خطأ في العلم والعمل بالصواب ، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب ، وخلع المرضيّ ، قال : وكل كرامة لا يصحبها الرضا عن اللّه ومن اللّه فصاحبها مستدرج مغرور ، أو ناقص أو هالك أو مثبور انتهى . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة أو غيرها من البلدان ، إنما الشأن من تطوى له صفات نفسه فإذا هو عند ربه . قلت : والكرامة الحقيقية هي الاستقامة على الدين ، وحصول كمال اليقين ، وأما خوارق العادات الحسية فإن صحبتها الاستقامة ظاهرا وباطنا وجب تعظيم صاحبها ، لأنها شاهدة له بالكمال مما هو فيه ، وإن لم تصحبها استقامة فلا عبرة بها . والغالب أن أهل الباطن كرامتهم باطنية ، ككشف الحجب ومزيد الإيمان ، ومعرفة الشهود والعيان ، وكذلك عقوبة من آذاهم جلها باطنية لا يتفطنون لها ، كقساوة القلب والانهماك في الذنوب ، والغفلة عن اللّه ، والبعد عن