فهذا هو التعلق بوصف الربوبية ، والتعزز باللّه لا يفنى عزه ، قال اللّه تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] ، ومن تعزز باللّه ذل له كل شيء ، وقد حج شيبان الراعي رضي اللّه تعالى عنه مع سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه فلما كانا في البرية عرض لهما سبع ، فأخذ سفيان خارج الطريق ومضى إليه شيبان ، ثم عرك أذنه ، فلم يزد أن حرك ذنبه ، وبصبص وانصرف ، فقال له سفيان : ما هذا يا شيبان ؟ فقال له : لو شئت أن أركبه إلى مكة لفعلت . وكانت عجوز تأتي كل يوم لبيت السري السقطي رضي اللّه تعالى عنه فنكنس بيته ، وتسوق له بعض القوت ، فسئل من هي ؟ فقال : الدنيا سخرها اللّه لي لما زهدت فيها ، وفي هذا المعنى ورد الحديث « يقول اللّه تعالى للدنيا : يا دنيا اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك « 1 » » . وقال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه : من طلب الفقر استقبله الغنى ، ومن طلب الغنى استقبله الفقر ، والغنى هو الغنى باللّه . وقال سهل رضي اللّه تعالى عنه : لم يشم رائحة اليقين من ركن لغير اللّه . وقال أبو تراب رضي اللّه تعالى عنه : رأيت شابا في البادية يمشي بلا زاد ، فقلت : في هذا الموضع بلا زاد ؟ قال : لست أرى غير اللّه ، فقلت : اذهب الآن حيث شئت . وقال إبراهيم الخواص رضي اللّه تعالى عنه : لقيت فقيرا في البادية ، فقلت له : إلى أين ؟ فقال : إلى مكة ، قلت : بلا زاد ولا راحلة ؟ فقال : الذي يمسك السماوات والأرضين ويحفظها لا يعجزه قوتي بلا سبب ولا علاقة ، فقلت : صدقت ، ثم رأيته بعد ذلك في مكة وهو يطوف ويقول :
يا عين سحّي أبدا * يا نفس موتى كمدا
ولا تحبي أحدا * إلا الإله الصمدا
فلما رآني قال لي : ما زلت على ضعف يقينك ؟ فقلت : لا ، بل وأعلم أن اللّه على كل شيء قدير انتهى .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 3 / 194 ) ، والحاكم في معرفة علوم الحديث ( 101 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 2 / 325 ) ، والديلمي في الفردوس ( 5 / 239 ) ، والمزي في تهذيب الكمال ( 5 / 87 ) .