والمراد بالمواهب : معارف وكشوفات وطمأنينة وحكم وعلوم وأسرار ، ترد على القلوب من خزائن الغيوب ، حال صفائها وتصفيتها من الغيرية ، وأصفى ما يكون القلب حين تذهب النفس ، وذهاب النفس إنما يكون بترك حظوظها ، ولا يتحقق ذلك في الغالب إلا في حال الفاقة والفقر ، ولذلك كانوا يفرحون بالفقر ، ويحزنون من الغنى ، فتح على بعضهم بشيء من الدنيا ، فقال : هذه عقوبة لم أدر ما سببها ؟ . وقال الهروي رضي اللّه تعالى عنه : الفقر صفة مهجورة ، وهي ألذ ما يناله العارف لكونها تدخله على اللّه ، وتجلسه بين يديه ، وهو أعم المقامات حكما لقطع العوائق ، والتجرد من العلائق ، واشتغال القلب باللّه . قيل : الفقير الصادق لا يملك ولا يملك ، وقيل لسهل رضي اللّه تعالى عنه : متى يستريح الفقير ؟ قال : إذا لم ير في كل وقت غير ربه . وقال الشبلي رضي اللّه تعالى عنه : الفقير لا يستغني بشيء دون اللّه . وقال السهروردي رضي اللّه تعالى عنه في عوارف المعارف : الفقر أساس التصوف وبه قوامه ، ويلزم من وجود التصوف وجود الفقر ، لأن التصوف اسم جامع لمعاني الفقر ، والزهد مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي ، وإن كان فقيرا زاهدا . وقال بعضهم : نهاية الفقر بداية التصوف ، لأن التصوف اسم جامع لكل خلق سني ، والخروج عن كل خلق دني ، لكنهم اتفقوا ألا دخول على اللّه إلا من باب الفقر ، ومن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم ، والتحقق بالفقر هو الاستئناس به ، والاغتباط بحصوله ، والاستقرار معه حتى يكون عنده أحلى من العسل ، ويكون المال عنده أمرّ من الحنظل ، فحينئذ تترادف عليه المواهب ، وتتسع له المعارف حتى يكون أغنى الأغنياء . قال بعض الصالحين : كان لي بعض مال فرأيت فقيرا في الحرم جالسا منذ أيام ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رثة ، فقلت : أغنيه بهذا المال ، فألقيته في حجره ، وقلت : استعن بهذا على دنياك ، فنفض بها في الحصباء وقال لي : اشتريت هذه الجلسة مع ربي بما ملكت ، وأنت تفسدها عليّ ثم انصرف وتركني ألقطها ، فو اللّه ما رأيت أعز منه لما بددها ، ولا أذل مني لما كنت ألتقطها ، وهذا هو تصحيح الفقر والفاقة ظاهرا وباطنا ، وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا ، وإذا لم يصبح عنده شيء أصبح فرحا مسرورا ، فقيل له : إنما
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 375
مساهمون: محمد عبد القادر نصار
ص٣٧٥