ومؤجلة ، فلأجل هذا آثرت الصوفية الفقر على الغناء ، والشدة على الرخاء ، والذل على العز ، والمرض على الصحة لما يحصل لهم بذلك من الرقة والحلاوة ، وكلما ازدادوا فاقة زادهم اللّه قربا وولاء . وكان بعضهم يطوف حول الكعبة ويقول :
مؤتزر بشملتي كما ترى * وصبية باكية كما ترى
وامرأتي عريانة كما ترى * يا من يرى الذي بنا ولا يرى
أما ترى ما حلّ أمّا ترى
فسمعه بعضهم ، فجمع له كسرا ودفعها إليه ، فقال له : إليك عني لو كان معي شيء لما أمكنني أن أقول هذا القول . وقال أبو إسحاق الهروي رضي اللّه تعالى عنه : من أراد أن يبلغ الشرف كل الشرف فليختر سبعا على سبع ، فإن الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام الخير ، اختاروا الفقر على الغنى ، والجوع على الشبع ، والدون على المرتفع ، والذل على العز ، والتواضع على الكبر ، والحزن على الفرح ، والموت على الحياة انتهى . وقال بعضهم : إن الفقير الصادق ليتحرز من الغني حذرا أن يدخله ، فيفسد عليه فقره ، كما يتحرز الغنى من الفقر حذرا أن يفسد عليه غناه ، وأنشدوا في أعياد العارفين قالوا :
قالوا غدا العيد ما ذا أنت لابسه * فقلت خلعة ساق حبّه جرعا
فقر وصبر هما ثوباي تحتهما * قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به * يوم التّزاور في الثوب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي * والعيد ما كنت مرأى لي ومستمعا
وقال آخر :
قالت هنا العيد بالبشرى فقلت لها * العيد والبشر عندي يوم لقياك
اللّه يعلم أن الناس قد فرحوا * فيه وما فرحتي إلا برؤياك
ثم بيّن وجه كون الفاقة عيدا ، فقال :