وذلك لأن اللّه سبحانه ليس بغافل حتى يذكر ، بل هو عليم بخفيات أمورك ، فيأتيك منها ما قسم لك ، كما بين ذلك بقوله :
173 - إنما يذكّر من يجوز عليه الإغفال .
وقد قال تعالى :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
[ البقرة : 74 ] ،
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] ، ولا يحتاج إلى تنبيه ، لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك ، كما بينه بقوله :
[ وإنّما ينبّه من يجوز عليه الإهمال ] . والحق تعالى لا يجوز عليه الإهمال لكمال قدرته وإحاطة علمه ، ولكن حكمته اقتضت ارتباط الأسباب والعلل وتقديم الأشياء وتأخيرها ، قال تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[ الرعد : 8 ] ، فمن كمل يقينه اكتفى بتدبير الحق عن تدبيره ، واستغنى بعلم اللّه عن استعجاله ، ورضي بتصريف الحق فيما يفعل ، فيكون إبراهيميّا حنيفيّا ، ولا شك أن من كان على ملة إبراهيم عليه السلام اقتدى به ، وقد كان بين السماء والأرض حين رمى به ، فاستغنى بعلم اللّه عن سؤاله ، فكانت حالة إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة ، فلما رد للشرائع دعا فقال :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ إبراهيم 41 ] ،
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
[ الشعراء : 83 ] ، وكذلك الأنبياء عليهم السلام أكثروا من الدعاء للتشريع والتعليم وإظهار الفاقات ، التي هي مواسم وأعياد كما أبان ذلك بقوله :
174 - ورود الفاقات أعياد المريدين .
قلت : الأعياد جمع عيد : وهو ما يعود على الناس بالأفراح والمسرة ، فالعوام فرحهم ومسرتهم بالحظوظ والعوائد الجسمانية ، والخواص فرحهم بإقبال الملك عليهم ، ووجود قلوبهم وصفاء وقتهم من كدرات الأغيار ، والغالب أن هذه المعاني إنما توجد عند الفاقة والحيرة والاضطرار ، حيث ينقطع حظ النفس فيها ، لأن النفس كلما ضيقت عليها رحلت إلى عالم الملكوت ، وفي ذلك العالم راحتها وفرحها ومسرتها ، قال تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات 40 : 41 ] ، وهما جنتان معجلة