الباب التاسع عشر
قال رضي اللّه تعالى عنه :
172 - ربّما دلّهم الأدب على ترك الطلب .
قلت : الظاهر أن ربّ هنا للتكثير ، لأن الغالب على العارفين وأهل الفناء السكوت والسكون تحت مجاري الأقدار ، فصدور الطلب منهم قليل ، لأن العارف فان عن نفسه غائب عن حسه ، ليس له عن نفسه إخبار ، ولا مع غير اللّه قرار ، فلا يتصور منه سؤال ، ولا فوات مأمول : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » الأشياء تشتاق إليه ، وهو غني عنها : « اشتاقت الجنّة إلى عمّار وصهيب وبلال « 1 » » كما في الحديث . والحاصل : أن العبد ما دام غائبا عن نفسه ، فإن في شهود ربه منقطعا عن حسه ، لا يتصور منه طلب أصلا ، إذ الطلب يقتضي وجود الاثنينية ، والفرض أنه غريق في بحر الوحدة ، فطلبه حينئذ سوء أدب في حقه ، فإن رد إلى الشعور بنفسه وهو مقام البقاء قد يتصور منه السؤال على وجه العبودية ، لا على وجه الاقتضاء والطلب كما تقدم ، ثم بين مستندهم في ترك الطلب ، فقال :
[ اعتمادا على قسمته ، واشتغالا بذكره عن مسألته ] .
قلت : أما الاعتماد على القسمة الأزلية فقد تقدم الكلام عليها في الحكمة قبل هذه ، وأما الاشتغال بالذكر عن المسألة فقد تقدم قريبا في الحديث : « من شغله ذكري عن مسألتي « 2 » » . وقال الواسطي رضي اللّه تعالى عنه : ما جرى لك في الأزل خير من معارضة الوقت ، يعني بالطلب للحظ . وقال القشيري رضي اللّه تعالى عنه إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء دعا ، كما إذا وجد نشاطا أو انبساطا للدعاء فالدعاء أولى ، وإذا وجد في قلبه قبضا فالسكوت أولى . وقال بعضهم : ما سألت اللّه تعالى بلساني شيئا منذ خمسين سنة ، ولا أريد أن أدعو ولا أن يدعى لي انتهى .
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .
( 2 ) رواه البخاري في خلق أفعال العباد ( 109 ) ، والتاريخ الكبير ( 2 / 115 ) .