تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
قال أبو بكر الواسطي رضي اللّه تعالى عنه : إن اللّه لا يقرّب فقيرا لأجل فقره ، ولا يبعد غنيّا لأجل غناه ، وليس للأعراض عنده خطر حتى بها يوصل وبها يقطع ، ولو بذلت الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بها ، ولو أخذتها كلها ما قطعك بها ، قرّب من شاء بغير علة ، وقطع من شاء من غير علة ، كما قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النور : 40 ] ، فالنظر إلى المشيئة حقيقة ، والنظر إلى السبب شريعة . أو تقول : النظر إلى المشيئة قدرة ، والنظر إلى الأسباب حكمة ، ولا بد من الجمع بينهما ، فالحقيقة معينة ، والشريعة مبينة . الشريعة حكمة ، والحقيقة قدرة ، والحقيقة حاكمة على الشريعة في الباطن ، والشريعة حاكمة على الحقيقة في الظاهر ، وليس حكم القدرة بأولى من وصف الحكمة في محله ولا بالعكس . قال الشطيبي رضي اللّه تعالى عنه : واعلم أن الناس أربعة : ناظر في السوابق لعلمه بأن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد ، وناظر في العواقب لعلمه بأن الأعمال بخواتمها ، وناظر للوقت لا يشتغل بالسوابق ولا بالعواقب غير أداء ما كلف به من حكم الوقت ، عالم بأن العارف ابن وقته ، لا يهتم بماض ولا مستقبل ، ولا يرى غير الوقت الذي هو فيه ، وناظر للّه وحده لعلمه بأن الماضي والمستقبل والحال متقلبون في قبضته متصرفون في حكمه ، والأوقات كلها قابلة للتغير وتبديل الحال فلا يراها ، وإنما يراقب من كل شيء بيده . وقد أراد بعضهم الخروج من بين يدي بعض المشايخ ، فقال له الشيخ : أين تريد ؟ فقال : يا سيدي لئلا أشغلك عن وقتك ، فقال له : ليس عند اللّه وقت ولا مقت ، إنما نرى رب الوقت لا الوقت ، ومن تمكنت فيه حالة الشهود غاب بالموجد عن الوجود :
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
[ الكهف : 18 ] . حكي أن رجلا قال لأبي يزيد : أين أبو يزيد ؟ فقال له : ليس هنا أبو يزيد . وقال رجل : للشبلي أين الشبلي ؟ قال : مات لا رحمه اللّه ، إنما عنى الشبلي ، لاردّه اللّه لإحساسه عن مشاهدته لربه . ورأى أبو يزيد رجلا في المسجد يسأل عنه ، فقال له : وأنا أطلبه منذ سنين ، فظن أنه مجنون ، فلما أعلم أنه هو قال له : يا سيدي عليك أسأل ولك أطلب ، فقال له أبو يزيد : الذي تطلب قد ذهب في الذاهبين في اللّه باللّه للّه ، فلا ردّه اللّه ، هذا آخر الباب الثامن عشر .