من هو من أهله ، ومختص به فقال :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] ، فالرحمة هنا هي العناية السابقة ، وهي قريبة من المحسنين الذين أحسنوا عبادة ربهم ، وأحسنوا إلى عباد ربهم . فتحصل أن سر العناية إنما تظهر على المحسنين المتقنين لأعمالهم المخلصين في عبودية ربهم ، فمن استند إلى الحكم السابق وترك العمل فهو مغرور أو مطرود لإبطاله الحكمة ، ومن استند إلى العمل دون النظر للقدرة والمشيئة السابقة فهو جاهل بعيد عن الحضرة غافل ، ومن جمع بينهما فهو محقق كامل ، وسر العناية إليه إن شاء اللّه واصل . قال أبو عثمان المغربي رضي اللّه تعالى عنه : قلوب العارفين فارغة لمفاجأة المقدور . وقال بعضهم : ليس كل من طلب نال ، ولا كل من نال وصل ، ولا كل من وصل أدرك ، ولا كل من أدرك وجد ، ولا كل من وجد سعد ، وكم من واحد حرم من المنى بمنى ، وكم من واحد أدرك من القربات غرفات ، ومن أيّد بالتوفيق وصل في لحظة العين إلى عين القبول ، كما حكي عن بعض الصالحين أنه رأى في منامه إبليس اللعين ضج بالصياح والعويل ، فاجتمع عليه جنوده ، وقالوا : ما لك ؟ فقال لهم : كنت أطمع في فلان منذ سنين ، فإذا به قد استوى ظاهره وباطنه وسره وعلانيته فلم أجد إليه سبيلا تحلى بالصدق ، فامتنع مني في مقعده :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 55 ] ، انتهى . ثم بين ما تقدم من حكم المشيئة ، فقال :
171 - إلى المشيئة يستند كلّ شيء ، وليست تستند هي إلى شيء .
قلت : المشيئة والإرادة شيء واحد وإليهما تستند الأشياء كلها ، قال تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] ،
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام : 112 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة لكل شيء ، وأما هي فلا تستند إلى شيء ، ولا تتوقف على شيء ، فلا تتوقف على سؤال ولا على طلب ، فما شاء اللّه كان من غير سبب ولا سؤال ، وما لم يشأ ربنا لم يكن ، قرب من شاء بلا عمل ، وبعد من شاء بلا سبب ،
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ، فقاعدة التحقيق ما ثمّ إلا سابقة التوفيق .