يأنس بكل شيء ، ولا يستوحش من شيء . قال أبو تراب رضي اللّه تعالى عنه : العارف به يصفو كدر كل شيء ، ولا يكدره شيء انتهى . وقال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه : إن اللّه يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح له وهو قائم يصلي . وقال بعضهم : العارف من أنس بذكر اللّه حتى استوحش من خلقه ، وافتقر إلى اللّه تبارك وتعالى ، فأغناه عن خلقه ، وذل إلى اللّه تبارك وتعالى فأعزه اللّه في خلقه . وفي زبور داوود : « بلغ أهل رضائي أني حبيب لمن أحبني ، وجليس لمن جالسني ، وأنيس لمن أنس بذكري ، وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمن أطاعني ، بعزتي حلفت ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي وأحببته أشد مما أحبني ، ومن طلبني وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ، وأنسوا بذكري أؤنسكم بي ، وأسرعوا إلى محبتي أسرع إلى محبتكم ، فإني خلقت طينة أحبّتي من طينة إبراهيم خليلي ، وموسى كليمي ، وعيسى روحي ، ومحمد صفيي ، وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ، ونعمتها بجلالي وجمالي » انتهى .
ولما كان الاعتماد على السابقة يقتضي ترك العمل بين سر ذلك بقوله :
170 - علم أن العباد يتشوّفون إلى ظهور سرّ العناية ، فقال : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 105 ] ، وعلم أنه لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل ، فقال :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] .
قلت : لما أخبر اللّه سبحانه في كتبه على ألسنة رسله أن المدار إنما هو على السابقة ، فمن سبقت له العناية لا تضره الجناية ، تشوق الخلق كلهم إلى ظهور سر هذه العناية ، فكل واحد يظن أنه من أهلها ، فأخبرهم الحق تعالى أن ذلك السر إنما هو للبعض دون البعض ، فقال :
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 105 ] ، فأسندها إلى مشيئته دون مشيئتهم ، فعلموا أن ذلك إنما هو للبعض دون الكل ، لأن كل واحد يطمع أنه من ذلك البعض ، فربما يتركون العمل ويعتمدون على سابق الأزل ، فأخبرهم الحق تعالى أن ذلك السر له علامات تدل على