وينظرون إلي ، من سلك طريقهم أحببته ، ومن عدل عنهم مقته ، قيل : يا ربنا وما علامتهم ؟ قال :
يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أو كارها عند الغروب ، فإذا جنّهم الليل ، واختلط الظلام ، وفرشت الفرش ونصبت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، نصبوا إلى أقدامهم ، وافترشوا إلى وجوههم ، وناجوني بكلامي وتملقوا إلي بإنعامي ، فمن صارخ وباك ، ومن متأوّه وشاك ، ومن قائم وقاعد ، ومن راكع وساجد ، بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشكون من حبي ، أول ما أعطيهم ثلاثا :
أقذف في قلوبهم من نوري ، فيخبرون عني كما أخبر عنهم . والثانية : لو كانت السماوات والأرض وما فيهن من موازينهم لاستقللتها لهم ، والثالثة : أقبل عليهم بوجهي أترى من أقبلت عليه بوجهي يعلم أحد ما أريد أن أعطيه » انتهى . وقال إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه :
غيبني الشوق يوما فقلت : يا رب إن أعطيت أحدا من المحبين ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضرني القلق ، فرأيت في النوم كأنه أوقفني بين يديه وقال : يا إبراهيم أما استحبيت مني أن تسألني أن أعطيك ما يسكن قلبك قبل لقائي ؟ وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه ؟ فقلت : يا رب تهت فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني ما أقول ، فقال : قل اللهم رضّني بقضائك ، وصبّرني على بلائك ، وأوزعني شكر نعمائك . ومنهم من تغلب عليه السكينة في القلب ، لأن العلم واليقين يوجبان السكون والطمأنينة ، فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته ، قال تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] ، ومنهم من يغلب عليه الدهشة والحيرة . قال بعضهم : أعرف الناس باللّه أشدهم تحيرا فيه ، وفي الحديث : « اللّهمّ زدني فيك تحيّرا « 1 » » . ومنهم من يغلب عليه التواضع والخضوع والذل والانكسار . قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : العارف كالأرض يطؤها البار والفاجر ، وكالسحاب يظل الأحمر والأبيض ، وكالمطر يسقى الماشي والراشي . ومنهم من تتسع معرفته ويخوض بحار التوحيد ، فلا يكدره شيء ، ولا يسلط عليه شيء ، بل يأخذ النصيب من كل شيء ، ولا يؤخذ من نصيبه شيء ،
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .