وكنت قديما أطلب الوصل منهم * فلما أتاني العلم وارتفع الجهل
علمت بأن العبد لا طلب له * فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل
وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم * وإن ستروا فالسّتر من أجلهم يحلو
وقال آخر :
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى * بنفائس الأموال والأرباح
وظننت جهلا أن حبّك هيّن * تفنى عليه كرائم الأرواح
حتى رأيتك تجتبي وتخصّ من * تختاره بلطائف الإمناح
فعلمت أنّك لا تنال بحيلة * فلويت رأسي تحت طيّ جناحي
وجعلت في عشّ الغرام إقامتي * فيه غدوّي دائما ورواحي
ولهذا لم يلتفت قلب العارف لخوف ولا رجاء ، ولم يبق له في نفس غير وجه اللّه حاجة .
فتحصل أن الولاية وهي سر العناية لا تنال بحيلة ولا تدرك بطلب ، لكن من سبقت له العناية يسر لما أريد منه . قيل لذي النون : بم عرفت ربك ؟ قال : عرفت ربي بربي ، ولولا ربي ما عرفت ربي انتهى . وقيل لعلي كرم اللّه وجهه : هل عرفت اللّه بمحمد أو عرفت محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم باللّه ، قال : لو عرفت اللّه بمحمد ما عبدته ولكان محمد أوثق فيّ من اللّه ، ولكن اللّه عرفني بنفسه ، فعرفت محمدا باللّه ، وهنا انتهت معرفة العارفين ، أعني حين تحققوا بسابق القدر غابوا عن أنفسهم في وجود معروفهم ، فاستراحوا واستظلوا في ظل الرضا والتسليم ، وهبّ عليهم من جنات المعارف نسيم ، لكن اختلفت أحوالهم في حال نهايتهم : الماء واحد والزّهر ألوان
فمنهم من يغلب عليه الهيبة والحياء . قال بعضهم : من ازدادت معرفته باللّه ازدادت هيبته له ، ومن كان باللّه أعرف كان له أخوف ، وفيهم قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، ومنهم من يغلب عليه الشوق والاشتياق . قال بعضهم : من عرف اللّه اتّسم بالبقاء ، واشتاق إلى اللقاء ، وضاقت عليه الدنيا بحذافيرها .
وقال السري : أجلّ مقام العارف الشوق ، يقول اللّه تبارك وتعالى : « إن لي عبادا من عبادي أحبهم ويحبوني ، وأشتاق إليهم ويشتاقون إلي ، وأذكرهم ويذكروني ، وأنظر إليهم