تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤

169 - عنايته فيك لا لشيء منك ، وأين كنت حين واجهتك عنايته ، وقابلتك رعايته ؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال ، ولا وجود أحوال ، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النّوال .

قلت : مما تواترت به الأخبار والنقول ، ووافق المنقول المعقول أن ما شاء اللّه يكون ، وما لم يشأ ربنا لم يكن ، ومشيئته تعالى قديمة لأنها عين إرادته ، وإرادته على وفق علمه ، وعلمه قديم ، فكل ما يبرز في عالم الشهادة فإنما هو ما قدره الحق في عالم الغيب : « جفت الأقلام وطويت الصحف » ، قال تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
[ الحديد : 22 ] أي نظهرها ، فلا سعادة ولا شقاء إلا وقد سبق بهما القدر والقضاء ، السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وقد تقدم قوله : ما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه ، فإذا علمت ذلك أيها الإنسان اكتفيت بعلمه السابق عن طلبك اللاحق ، وبقي طلبك عبودية ، وأدبا مع الربوبية ، وإلا فعنايته فيك سابقة على وجودك لا لشيء منك تستحق به عنايته ومنته ، وأين كنت حين واجهتك عنايته في أزله ، حين سبقت لك منه العناية ، وكتبك في جملة أهل الرعاية والهداية ؟ ثم لما استنطقك يوم الميثاق أقررت بربوبيته ، وأين كنت حين قابلتك رعايته وحفظه ، وأنت في ظلمة الأحشاء حين أجرى عليك رزقه من عرق الدم ، وحفظك في ذلك المستودع حتى اشتدت أعضاؤك ، وقويت أركانك ؟ فأخرجك إلى رفقه ، وما يسر لك من رزقه ، لم يكن في أزله حين واجهتك عنايته ، ولا في مستودعك في الرحم حين قابلتك رعايته ، إخلاص أعمال ولا وجود أحوال ، تستحق بهما وجود النوال ، بل لم يكن في ذلك الوقت إلا محض الإفضال وعظيم النوال . قال الواسطي رضي اللّه تعالى عنه : أقسام قسمت ، ونعوت أجريت ، كيف تستجلب بحركات أو تنال بمعاملات ؟ وقال الشاعر :
فلا عمل مني إليه اكتسبته * سوى محض فضل لا بشيء يعلل
وقال آخر :
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 364 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى