تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
قلت : العطاء السابق هو ما تعلق به علمه القديم قبل أن تظهر تجليات الأكوان ، ولا شك أن اللّه سبحانه قدر في الأزل ما كان وما يكون إلى أبد الأبد ، فقد قسّم الأرزاق الحسية والمعنوية ، وقدّر الآجال ، قال تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] ، وقال تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[ الرعد : 8 ] ،
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف : 34 ] وقال :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ
[ فاطر : 11 ] وقال تعالى :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا
[ آل عمران : 145 ] . فإذا علمت أيها الإنسان أن القضاء والقدر قد سبق برزقك وأجلك ، وأنه قد سبقت قسمتك وجودك ، فماذا تطلب ؟ وإذا طلبت ، فكيف يكون طلبك اللاحق سببا في عطائه السابق ؟ إذ قد سبق منه العطاء قبل أن يكون منك الطلب ، جل : أي عظم وتعالى حكم الأزل القديم أن يضاف إلى العلل والأسباب الحادثة ، إذ محال أن يتقدم الحادث على القديم ، لا وجودا ولا حكما . قال ذو النون المصري رضي اللّه تعالى عنه : التوحيد أن يعلم أن قدرة اللّه في الأشياء بلا علاج ، وصنعه لها بلا مزاج ، وعلة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه ، وليس في السماوات العليا ولا في الأرضين السفلى مدبر غير اللّه ، وكل ما يخطر ببالك فاللّه مخالف لذلك انتهى . قوله : وعلة كل شيء : الضمير في صنعه يعود على الحق تعالى : أي وعلة كل شيء صنع الحق له ، يعني أن سبب وجود الأشياء وظهورها هو صنع الحق لها وصنع الحق لا علة له . وقال بعضهم : ليس في الإمكان أبدع مما كان : أي باعتبار العلم والمشيئة لا باعتبار القدرة ، فالمراد بما كان القدر والقضاء السابق ، فما كونته القدرة وأظهرته لا يمكن أن يكون أبدع منه من حيث تعلق العلم القديم ، فلا يمكن تخلفه وإن كان العقل يجوز أن يخلق اللّه تعالى أبدع منه ، والقدرة صالحة ، ولكن لما سبق به العلم ونفذ به القضاء لم يكن أبدع منه . أو تقول : ليس في عالم الإمكان أبدع مما كان ظهر في عالم الإمكان وهو عالم الشهادة إلا ما كان في عالم الغيب من المعاني القديمة ، ولم يظهر أبدع منه ، ولن يظهر أبدا ، فافهم فالكلام صحيح على هذا الوجه ، واللّه تعالى أعلم . ومما يدلك على أن طلبك ليس سببا في عطائه لك وجود عنايته بك قبل ظهورك الذي أشار إليه بقوله :