الباب الثامن عشر
وقال رضي اللّه تعالى عنه :
166 - لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه فيقلّ فهمك عنه ، وليكن طلبك لإظهار العبوديّة وقياما بحقوق الربوبيّة .
قلت : قد تقدم في أول الكتاب أن الطلب كله معلول عند ذوي الألباب ، فإن كان ولابد من الطلب ، فليكن إظهارا للعبودية ، وقياما بحقوق الربوبية ، فلا يكن طلبك من الحق سببا إلى العطاء منه فيقل فهمك عنه ، لأن الفهم عن اللّه يقتضي الاكتفاء بعمله ، والاستغناء بمعرفته ، فلا يحتاج إلى شيء ، ولا يتوقف على شيء ، فإذا فقد من وجدك فلا يكن محط نظره إلا ما يبرزه من عنصر القدرة ولا يشتهي إلا ما يقضيه عليه مولاه ، قيل لبعضهم : ما ذا تشتهي ؟ قال : ما يقضي اللّه . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : لا يكن حظك من الدعاء الفرح بقضاء حاجاتك فتكون من المحجوبين وليكن همك مناجاة محبوبك ، . وقال بعضهم : فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه ، وإلا فالرب يفعل ما يشاء . قيل : إن سيدنا موسى عليه السلام قال : يا رب أطعمني فإني جائع ، فأوحى اللّه إليه قد علمت ذلك ، قال : يا رب أطعمني ، قال له : حتى أريد ، وهذا مقام أهل النهايات ، وأما أهل البدايات فيرخص لهم في طلب الحاجات ، وفي كثرة الدعاء والتضرعات ، فالدعاء في حقهم واجب ، أو مندوب ، وفيهم ورد الترغيب في الدعاء ، والإلحاح فيه قال تعالى :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] ، وقال :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] ، وورد في بعض الأخبار أن اللّه تعالى قال لسيدنا موسى عليه السلام : « سلني حتّى ملح عجينك « 1 » » ، تشريعا للضعفاء ، لأن الأنبياء عليهم السلام بعثوا معلمين للضعفاء والأقوياء ، وينبغي أن يتأدب في الدعاء ، فلا يدعو بممنوع شرعا ، ولا ممتنع عقلا ، ويكون بتلطف وانكسار ، وظهور فاقة واضطرار ، لا بانبساط وإدلال ، فإن ذلك مقام الرجال أهل
هامش
( 1 ) ذكره بنحوه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ( 1 / 225 ) .