وفضيحة ، فليعرف قدره ، ولا يتعد طوره ، وباللّه التوفيق . ولما كانت المعرفة تقتضي ظهور الحق في كل شيء حتى تراه ظاهرا في كل شيء بين وجه احتجابه وخفائه ، فقال :
164 - إنّما حجب الحقّ عنك شدة قربه منك .
165 - وإنما احتجب لشدة ظهوره وخفي عن الأبصار لعظيم نوره .
قلت : ذكر في حكمة خفائه تعالى مع شدة ظهوره ثلاث حكم : الحكمة الأولى : شدة القرب ، ولا شك أن شدة القرب توجب الخفاء كسواد العين من الإنسان ، فإن الإنسان لا يدرك سواد عينه لشدة قربه منه ، واللّه تعالى أقرب إليك من كل شيء قال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] ، فشدة قربه منك موجب لاضمحلالك . قال في لطائف المنن : فعظيم القرب هو الذي غيب عنك شهود القرب . قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه : حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب ، كمن يشم رائحة المسك فلا يزال يدنو ، وكلما دنا منها تزايد ريحها ، فلما دخل البيت الذي فيه المسك انقطعت رائحته عنه ، وأنشد بعض العارفين :
كم ذا تموّه بالشّعبين والعلم * والأمر أوضح من نار على علم
أراك تسأل عن نجد وأنت بها * وعن تهامة هذا فعل متّهم
الحكمة الثانية : في خفائه تعالى شدة ظهوره ، ولا شك أن شدة الظهور موجب للخفاء ، كما قال صاحب « الهمزية » : ومن شدة الظهور الخفاء وقد مثلوا ذلك بقرص الشمس حين يعظم شعاعه ويتقوى إشراقه ، فإن الأبصار الضعيفة لا تقوى على مشاهدته مع شدة ظهوره ، فصار شدة الظهور موجبا للخفاء ، كما قال الشاعر :
وما احتجبت إلا برفع حجابها * ومن عجب أن الظهور تستّر
فاحتجب عن الأبصار الضعيفة بلا حجاب .