تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الحكمة الثالثة : شدة نوره ، ولا شك أن شدة النور موجب لعدم الإدراك ، فإن البصر لا يقاوم النور الباهر ، وفي حديث مسلم في قصة الإسراء : « قلنا يا رسول اللّه هل رأيت ربك ؟ قال : نور أنّى أراه ؟ « 1 » » ، بلفظ الاستفهام : أي غلبني النور كيف أراه ، وفي رواية « رأيت نورا « 2 » » ، فيحمل على أنه أول مرة رأى نورا ، ثم لم يطق مشاهدته بالبصر مع تحقق شهوده بالبصيرة ، وانظر أيضا البرق الخاطف ، فإن البصر لا يطيق رؤيته ، وأنشدوا :
بالنور يظهر ما ترى من صورة * وبه وجود الكائنات بلا امترا لكنه يخفى لفرط ظهوره * حسّا ويدركه البصير من الورى فإذا نظرت بعين عقلك لم تجد * شيئا سواه على الذوات مصوّرا وإذا طلبت حقيقة من غيره * فبذيل جهلك لا تزال معثّرا
وهذا النور الذي نتكلم فيه ليس هو حسيّا ، وإنما هو ما يبدو من معاني الصفات والأسماء التي تخرج من ظلمة الجهل إلى معرفة أسمائه وصفاته ، قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه . قلت : هو النور الأصلي الذي فاض من بحر الجبروت إلا أنه تستر بالحكمة والعزة والقهرية . سئل أبو القاسم النصر اباذى عن قولهم :
ويظهر في الهوى عزّ الموالى * فيلزمني له ذلّ العبيد
فقال : عز الموالى : الستر ، لأنه لو انتهك الحجاب لتفطر الألباب . وهذا آخر الباب السابع عشر . وحاصلها ثلاثة أمور : الأول : تلازم الدلالة على أولياء اللّه للدلالة على اللّه ، بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر في الغالب . الثاني : تفسير أسرار الولاية ، وهي الاطلاع على أسرار غيب الملكوت دون اشتراط الاطلاع على أسرار العباد ، لأن ذلك قد يكون فتنة في حقه وسببا في عقوبته إذا لم يتمكن من معرفته مع ما فيه من حظ النفس ، فربما تقصده بطاعتها ، فيكون رياء في حقها ، وهو من الأمراض الباطنية التي يصعب علاجها كالاستشراف إلى
هامش
( 1 ) رواه أبو عوانة في مسنده ( 1 / 147 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 161 ) .