وقال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه : لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : حتى يسقط الناس من عينه ، فلا يرى في الدارين إلا هو خالقه ، فإن أحدا لا يقدر أن يضره ولا ينفعه ، وتسقط نفسه عن قلبه ، فلا يبالي بأي حال يرونه انتهى ، وللّه در القائل
فليتك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب
وليت شرابي من ودادك صافيا * وشربي من ماء المعين سراب
إذا صح منك الودّ فالكل هيّن * وكل الذي فوق التراب تراب
اعلم أن رضا الخلق غاية لا تدرك ، وانظر قضية لقمان مع ابنه وهي مشهورة ، يتبين لك أن رضا الخلق محال أو متعذر ، وأجهل الناس من طلب ما لا يدرك ، وقال بعضهم : ما لي وللناس ؟ كنت في بطن أمي وحدي ، وخرجت إلى الدنيا وحدي ، ونموت وحدي ، وندخل قبري وحدي ، ونسأل وحدي ، ونبعث من قبري وحدي ، ونحاسب وحدي ، فإن دخلت الجنة دخلت وحدي ، وإن دخلت النار دخلت وحدي ، ففي هذه المواطن لا ينفعني أحد ، فمالي وللناس ؟ انتهى بالمعنى . وقيل : إن الولي الصادق لا قدر له عند الخلق ، ولا قدر للخلق عنده ، فكلما عظم أمره عند اللّه خفي أمره عند الناس ، ثم إنه لا تتحقق الغيبة عن نظر الخلق بنظر الحق ، إلا بمعرفة الحق عند كل شيء ، وشهوده في كل شيء ، كما أبان ذلك بقوله :
163 - من عرف الحقّ شهده في كلّ شيء ، ومن فني به غاب عن كل شيء ، ومن أحبّه لم يؤثر عليه شيئا .
قلت : معرفة الحق هي شهود ربوبيته في مظاهر عبوديته ، أو تقول : هي الغيبة عن الغيرية بشهود الأحدية ، أو تقول : هي الترقي من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح ، فيكون جسمك مع الأشباح وروحك مع الأرواح ، قال في المباحث :
واستشعروا شيئا سوي الأبدان * يدعونه بالعالم الروحاني