تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
ثم أقام العالم المعقول * معارف تلغز بالمنقول
والفناء : هو أن تبدو لك العظمة ، فتسيك كل شيء ، وتغيبك عن كل شيء ، سوى الواحد الذي :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، وليس معه شيء . أو تقول : هو شهود حق بلا خلق ، كما أن البقاء هو شهود خلق بحق ، والمحبة أخذ الحق قلب من أحب من عباده ، فلا يكون له عن نفسه أخبار ، ولا مع غير محبوبه قرار ، وقيل : غير ذلك ، فمن عرف الحق شهده في كل شيء ، ولم ير معه شيئا ، لنفوذ بصيرته من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح ، ومن شهود عالم الملك إلى شهود فضاء الملكوت ، ومن فني به وانجذب إلى حضرته غاب في شهود نوره عن كل شيء ، ولم يثبت مع اللّه شيئا . والفرق بين الفاني والعارف أن العارف يثبت الأشياء باللّه ، والفاني لا يثبت شيئا سوى اللّه ، العارف يقرر القدرة والحكمة ، والفاني لا يرى إلا القدرة . العارف يرى الحق في الخلق ، كقول بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه ، والفاني لا يرى إلا الحق ، يقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ، العارف في مقام البقاء ، والفاني مجذوب في مقام الفناء ، الفاني سائر ، والعارف متمكن واصل ، ومن أحب اللّه لم يؤثر عليه شيئا من حظوظه ، وهوى نفسه ، ولو كان فيه حتف أنفه ، كما قال القائل :
قالت وقد سألت عن حال عاشقها * باللّه صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ * وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
والكلام في المحبة طويل ، ذكر الشيخ في « لطائف المنن » منه جملة صالحة ، وكلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه من باب التدلي ، فالمعرفة أعلى المقامات وقبلها الفناء ، وقبل الفناء المحبة : أي أولها ، فأول ما يقذف اللّه في قلب عبده الذي بريد أن يصطفيه لحضرته ويعرفه به محبته ، فلا يزال يلهج بذكره ، ويتعب جوارحه في خدمته ، ويتعطش إلى معرفته ، فلم يزل يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الحق ، فإذا أحبه أفناه عن نفسه وغيبه عن حسه فكان سمعه ، وبصره ، ويده وجملته ، ثم رده إليه وأبقاه به ، فعرفه في كل شيء ، ورآه قائما بكل شيء ، ظاهرا في كل شيء ، واللّه تعالى أعلم . ولهذا الذي ذكره الشيخ علامات تدل على تحقيق تلك المقامات ، فمن وجدها في نفسه كانت دعواه لتلك المقامات أو بعضها صحيحة ، ومن لم يجدها في نفسه كانت دعواه لها كاذبة