تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥

162 - غيّب نظر الخلق إليك بنظر اللّه إليك ، وغب « 1 » عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك .

قلت : الخلق في التحقيق عدم ، والوجود إنما هو للّه الواحد الأحد ، فوجود السوى كالهباء في الهواء ، أو كظلال الأشخاص ، إن فتشته لم تجده شيئا ، فغيب عنك أيها الفقير نظر الخلق إليك اكتفاء بنظر الحق إليك ، إذ لا نظر لسواه ، وغب عن إقبالهم عليك بالتعظيم والتكريم بشهود إقبال الملك الكريم ، فغب عن الوهم بثبوت العلم ، فإقبالك على الخلق إدبارك عن الحق ، وإدبارك عن الخلق إقبالك على الحق ولا يجتمعان . وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في وصيته لابن عباس : « احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده تجاهك ، إذا سألت فسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ، واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك ، جفّت الأقلام وطويت الصحف « 2 » » . وقال الشيخ أبو الحسن : أيست من نفع نفسي لنفسي ، فكيف لا أيأس من نفع غيري لها ؟ ورجوت اللّه لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي ؟ . وقال في لطائف المنن : اعلم أن مبنى الولي على الاكتفاء باللّه ، والقناعة بعلمه ، والاعتناء بشهوده ، قال اللّه سبحانه :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] ، وقال سبحانه :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] ، وقال :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
[ العلق : 14 ] ، وقال :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ فصلت : 53 ] ، فسبيل أمرهم في بدايتهم الفرار من الخلق ، والانفراد بالملك الحق ، وإخفاء الأعمال ، وكتم الأحوال ، تحقيقا لفنائهم ، وتثبيتا لزهدهم ، وعملا على سلامة قلوبهم ، حتى إذا تمكن اليقين وأيدوا بالرسوخ والتمكين ، وتحققوا بتحقيق الفناء ، وردوا إلى وجود البقاء ، فهناك إن شاء الحق أظهرهم هادين إليه عباده ، وإن شاء سترهم ، فاقتطعهم عن كل شيء إليه . . إلخ كلامه .
هامش
( 1 ) في نسخة الحلبي وزهران : غيب . ( 2 ) رواه الترمذي ( 4 / 667 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 293 ) ، والحاكم ( 3 / 623 ) .
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 355 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى