تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
بمراقبته إياك ، واستغنيت به عن رؤية غيره . فالواجب على الفقير إذا خصه اللّه بخصوصية كتمها وجحدها وسترها إلا عن شيخه ، فإن أظهرها فهو على خطر ، فقد يكون تحدثا ، وقد يكون تبجحا ، وفي الكتمان السلامة ، وقد تقدم قول الشيخ : من رأيته مجيبا عن كل ما سئل ومعبرا عن كل ما شهد وذاكرا كل ما علم فاستدل [ بذلك ] على وجود جهله ، وفي هذا المعنى قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه :
احفر لسرّك ودكّو * في الأرض سبعين قاما وخلّ الخلائق يشكوا * إلى يوم القياما
وكان بعض إخواننا إذا سئل : ما أدركتم وما ذقتم في هذا الطريق ؟ يقول : البرد والجوع ، فكان شيخ شيخنا يعجبه ذلك ويستحسنه لدلالته على صدق الإخلاص ، وما زالت أشياخنا وأشياخهم يستعملون الخراب في ظواهرهم صونا لما في بواطنهم ، ولأجل هذا فضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين درجة ضعفا كما في الحديث ، وقال سيدنا عيسى : إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه ، فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم يصم ، وإذا أعطى أحد فليعط بيمينه ويخفيها عن شماله ، وإذا صلى أحدكم فليسدل عليه ستر بابه ، فإن اللّه يقسم الثناء كما يقسم الرزق . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القريشي رضي اللّه تعالى عنه : كل من لم يقنع في أفعاله وأقواله بسمع اللّه ونظره دخل عليه الرياء لا محالة . وقال بعضهم : ما أخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف ، ولهذا كان إسقاط المنزلة شرطا في هذا الطريق ، فإن تحقق العبد بالمعرفة ومشاهدة الوحدانية جاز له الإخبار بالوحدانية بأعماله ، والإظهار لمحاسن أحواله ، بناء منه على نفي الغير وأداء الواجب من الشكر . كان بعض السلف يصبح فيقول : صليت كذا وكذا ركعة وتلوت كذا وكذا سورة ، فيقال له : أما تخشى من الرياء ؟ فيقول : ويحكم ، وهل رأيتم من يرائي بفعل غيره ؟ . والحاصل : من فني عن نفسه وتحقق بشهود ربه فلا كلام عليه ، وقد قالوا : من أحب الخفاء فهو عبد الخفاء ، ومن أحب الظهور فهو عبد الظهور ، ومن لم يرد غير ما أراد اللّه به فهو عبد اللّه حقّا ، ثم علمك الشيخ الدواء في ترك الاستشراف إلى الخلق ، وهو الاكتفاء بنظر الحق ، فقال :