ذلك ملكهم فركب في موكب من الناس فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس ، فقال السائح : ما هذا ؟ قيل له : الملك قد أظلك ، فقال للغلام : ائتني بطعام فأتاه ببقل وزيت وقلوب الشجرة ، فأقبل يحشو شدقه ويأكل أكلا عنيفا ، فقال الملك : أين صاحبكم ؟ قالوا : هذا ، قالوا له :
كيف أنت ؟ قال : كالناس . وفي حديث آخر : فقال الملك : ما عند هذا من خير فانصرف عنه ، فقال السائح : الحمد للّه الذي صرفك عني وأنت لي ذام ، ومن هذا النوع من الرياء خاف الكبار وعدّوا أنفسهم من الأشرار ، كما روي [ عن ] الفضيل رضي اللّه تعالى عنه أنه قال :
من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلى هذا ، وسمع مالك بن دينار امرأة تقول له : يا مرائي ، فقال :
يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة ، إلى غير هذا مما روي عنهم في هذا المعنى ، ولا يسلم من الرياء الجلي والخفي إلا العارفون الموحدون ، لأن اللّه تعالى طهرهم من دقائق الشرك ، وغيب عن نظرهم رؤية الخلق ، بما أشرق على قلوبهم من أنوار اليقين والمعرفة ، فلم يرجوا منهم حصول منفعة ، ولم يخافوا منهم وجود مضرة ، فأعمال هؤلاء خالصة وإن عملوها بين أظهر الناس ، ومن لم يحظ بهذا وشاهد الخلق وتوقع منهم حصول المنافع ودفع المضار فهو مراء بعمله ، وإن عبد اللّه تعالى في قنة جبل بالنون : أي أعلاه ، قاله الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه . ومنها : أي ومن علامة الرياء الخفية أيضا : استشراف العبد وتطلعه أن يعلم الناس بخصوصيته ، كما أشار إليه بقوله :
161 - استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيّتك دليل على عدم صدقك في عبوديّتك .
قلت : إذا خصك الحق تعالى أيها الفقير بخصوصية من خصوصية خواصه ، كزهد أو ورع أو توكل أو رضا أو تسليم أو محبة أو يقين في القلب أو معرفة ، أو أظهر على يديك كرامة حسية أو معنوية ، أو استخرجت فكرتك حكما أو مواهب كسبية أو لدنية ، ثم استشرفت : أي تطلعت وتمنيت أن يعلم الخلق بخصوصيتك ، بأن يطلعوا على تلك الخصوصية التي خصك اللّه بها ، فذلك دليل على وجود الرياء الخفي في باطنك ، ودليل على عدم صدقك في عبوديتك ، بل أنت كاذب فيها ، إذ لو كنت صادقا في عبوديتك لاكتفيت بعلم اللّه وقنعت