تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وكان بعض العارفين يقول : اجتهدت في إزالة الرياء من قلبي بكل حيلة ، فما أزلته من جهة حتى نبت من أخرى من حيث لا أظنه . وقال بعضهم : من أعظم الرياء من رأى العطاء والمنع والضرر والنفع من الخلق . وقال بعضهم : أقسام الرياء ثلاثة كلها علة في الدين : الأول : وهو أعظمها : أن يقصد بعمله الخلق ولولاهم لم يعمل . الثاني : أن يعمل للمدحة والثناء ، ولو لم يعلمه الناس . الثالث : أن يعمل للّه ويرجو على عمله الثواب ورفع العقاب ، وهذا النوع جيد من وجه ، معلول من وجه ، عند العارفين رياء ، وعند عامة المسلمين إخلاص . وقد قيل في قوله تعالى :
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] ، هو السالم من الرياء ظاهرا وباطنا بحيث لا يريد عامله حظّا دنيويّا ولا أخرويّا . وللمرائي علامات لا تخفى : منها نشاطه في الجلوة ، وكسله في الخلوة ، أو إتقان العمل حيث يراه الناس وتساهله حيث لا يراه إلا اللّه ، ومنها التماسه بقلبه توقير الناس له وتعظيمه ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه ، وإذا قصر أحد في حقه الذي يستحقه عند نفسه استبعد ذلك واستنكر ، ويجد تفرقة بين إكرامه وإكرام غيره ، إهانته وإهانة غيره من إقرانه حتى ربما يظهر بعض سخفاء العقول ذلك على ألسنتهم ، فيتوعدون من قصر في حقهم بمعاجلة اللّه لهم بالعقوبة ، وأن اللّه تعالى لا يدعهم حتى ينتصر لهم ويأخذ ثأرهم ، فإن وجد الفقير هذه الأمارت في نفسه فليعلم أنه مرائي بعمله وإن أخفاه عن أعين الناس . وقد روي عن علي كرم اللّه وجهه : إن اللّه تعالى يقول للفقراء يوم القيامة : « ألم تكونوا ترخص عليكم الأسعار ؟ ألم تكونوا تبادرون بالسلام ؟ ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج ؟ » ، وفي الحديث الآخر : « لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم « 1 » » . وقال عبد اللّه بن المبارك : روي عن وهب بن منبه رضي اللّه تعالى عنه : أن رجلا من العباد قال لأصحابه : إنا إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان ، فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم ، إن أحدنا إذا لقي أحب أن يعظم لمكان دينه ، وإن سأل حاجة أحب أن تعطى له لمكان دينه ، وإن اشترى شيئا أحب أن يرخص عليه لمكان دينه ، فبلغ
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .