قال أبو محمد المرتعش : حججت كذا وكذا حجة عن التجريد ، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا ، وذلك أن والدتي سألتني يوما أن أسقي لها جرة ماء ، فنقل ذلك عليّ فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحج كانت لحظّ وشوب ، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع . وقال الشيخ أحمد ابن أرقم رضي اللّه تعالى عنه : حدثتني نفسي بالخروج إلى الغزو ، فقلت : سبحان اللّه إن اللّه تعالى يقول :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] ، وهذه تأمرني بالخير لا يكون هذا أبدا ، ولكنها استوحشت تريد لقاء الناس فتستروح إليهم ويتسامع الناس بها فيستقبلونها بالتعظيم ، فقلت لها : لا أسلك العمران ولا أنزل على معرفة ، فأجابت ، فأسأت ظني بها ، وقلت : اللّه أصدق قولا ، فقلت لها : أقاتل العدو حاسرا بالرأي من غير وقاية فتكونين أول قتيل ؟ فأجابت ، ثم عد أشياء كلها أجابت لها ، فقلت :
يا رب نبهني بها فإني لها متهم ، ولقولك مصدق ، فألهمت كأنها تقول : إنك تقتلني كل يوم مرات بمخالفتك إياي ومنع شهواتي ولا يشعر بي أحد ، فإن قاتلت وقتلت كانت قتلة واحدة فنجوت منك ، ويتسامع الناس فيقولون استشهد أحمد ، فيكون شرفا وذكرا في الناس لي ، فقعدت ولم أخرج ذلك العام انتهى . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : ضاقت علي نفسي ليلة حتى لم أطق الصبر ، فخرجت ذاهبا على وجهي ، فانتهيت إلى رجل مطروح في المقابر مغطى الرأس ، فلما أحس بي قال : أبو القاسم ، قلت : نعم ، قال : متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها ، فقال لنفسه : اسمعي ، فقد أجبتك بهذا مرارا ، وأنت تقولين حتى أسمع ذلك من الجنيد ، قال الجنيد : فانصرفت وما عرفته انتهى .
ثم فسر الشيخ ذلك الداء الذي يكون خفيّا في الطاعة ببعض جزئياته وهو أعظمها ، فقال :
160 - ربّما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك .
قلت : الرياء هو طلب المنزلة عند الناس ، وقصد ذلك بعمل صالح ، سواء كان ذلك العمل ظاهرا للناس وهو الغالب أو خفيّا عنهم ، فقد يكون الرياء في العمل الخفي ، فيدخل الرياء عليك حيث لا ينظر أحد إليك ، وهذا أصعب من الأول ، لأنه أخفى من دبيب النمل ، كما في الحديث .