تكفر ذنبك بذبح ولدك لأنك دعوت على العصاة فهلكوا ، فلما شمر لذلك وأخذ السكين بيده قال : اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحب الناس إلي ، فسمع هاتفا يقول : أما تذكر الليلة التي سألتني إهلاك عبادي ، أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدك ، فإذا سألتني إهلاك عبادي سألتك ذبح ولدك واحدا بواحد ، والبادي أظلم انتهى . ولما كان الاطلاع على أسرار العباد قد يدرك بكثرة الطاعات والاجتهاد ، فقد تقصد النفس بالطاعة هذا الحظ الدنيء ، وهو مرض خفي ، نبه عليه الشيخ بقوله :
159 - حظّ النفس في المعصية ظاهر جليّ ، وحظّها في الطاعة باطن خفيّ ، ومداواة ما خفي صعب علاجه .
قلت : حظ النفس في المعصية هي متعة البشرية الظاهرة ، كلذة الأكل والشرب والنكاح وسماع اللهو ، وغير ذلك مما هو من أذواق الحس التي هي محرمة ، وحظها في الطاعة هو طلب الكرامات ، وخوارق العادات ، والاطلاع على المغيبات ، وكحب الخصوصية والمنزلة عند الناس ، ومداواة هذا المرض الخفي أصعب من مداواة الأول الجلي ، لأن مداواة المرض الحسي الخفي أصعب من مداواة الجلي ، فكذلك المعنوي الباطني ما كان جليّا متعلقا بالنفس أصعب مما كان خفيّا متعلقا بالروح . فالأول يمكن دواؤه بالعزلة والفرار من مواطن الأشرار وبصحبة الأخيار وبكثرة الطاعة والأذكار ، بخلاف الثاني ، فلا تزيده الطاعة إلا كثرة وقوة ، إذ بها صارت تطلب حظها ، فلا يداويها من هذا إلا خوف مزعج أو شوق مقلق ، أو ولي عارف محقق يصحبه بالمحبة والتصديق . قال بعضهم : من عسرت عليه نفسه ، فليسلمها إلى شيخ التربية ، قال تعالى :
وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى
[ الطلاق : 6 ] ، وإن عسرت عليكم أنفسكم فسترضع له نفسه نفس أخرى حتى يكمل أوان فطامها ، فإن لم يكن واحد من هذه مات وهو سقيم ، ولم يلق اللّه بقلب سليم ، فالواجب على العبد اتهام نفسه ومراقبة قلبه ، فإذا استحلت النفس شيئا من الطاعات وألفته أخرجها إلى غيرها ولو كانت مفضولة في ظاهر أمرها ، وسيأتي للشيخ : إذا التبس عليك أمران انظر أثقلهما على النفس ، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقّا .