أصل المعاصي ، فكان اطلاعه حينئذ على أسرار العباد سببا في جر هذا الوبال : أي العقوبة إليه ، وهو التكبر على الناس ، واعتقاد المزية عليهم ، وهو سبب البعد عن اللّه ، بخلاف ما إذا تمكن في معرفة الحق ، وتخلق بأخلاقه ، وتحقق بمعاني صفاته وأسمائه ، فإنه يكون على خلق الرحمن ، فإذا اطلع على معاصي العباد ومساوئهم رحمهم وسترهم وحلم عليهم ، وقد قال عليه السلام : « الخلق عيال اللّه ، وأقربكم إلى اللّه أرحمكم بعياله « 1 » » ، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء « 2 » » ، وفي الإشارات عن اللّه سبحانه : « عبدي إن استخلفتك شققت لك من الرحمانيّة شقّا ، فكنت أرحم من المرء بنفسه « 3 » » . وروي أن إبراهيم عليه السلام حدث نفسه أنه أرحم الخلق ، فرفعه اللّه حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما يفعلون ، فقال : يا رب دمر عليهم ، فقال له اللّه تعالى : « أنا أرحم بعبادي منك يا إبراهيم ، فلعلهم يتوبون ويرجعون » ، وفي بعض التفاسير أنه كان يعرج كل ليلة إلى السماء ، وهو قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] ، فعرج به ذات ليلة فاطلع على مذنب على فاحشة ، فقال : اللهم أهلكه ، يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك ، فأهلكه اللّه تعالى ، فاطلع على آخر ، فقال : اللهم أهلكه فنودي : كف عن عبادي ، رويدا رويدا فإني طالما رأيتهم عاصين ، وفي رواية أخرى فأوحى اللّه إليه : « يا إبراهيم أين رحمتك للخلق ؟ أنا أرحم بعبادي منك ، إما يتوبون فأتوب عليهم ، وإما أن أخرج من أصلابهم من يسبحني ويقدسني ، وإما أن يبعثوا في مشيئتي ، فأعفو أو أعاقب ، يا إبراهيم كفّر ذنبك في دعوتك بدم قربان ، فنحر إبلا ، فنودي في الليلة الثانية : كفّر ذنبك بدم فذبح بقرا ، فقيل له في الثالثة ، فذبح غنما ، فقيل له في الرابعة كذلك ، فقرب من الأنعام إلى اللّه ما بقي عنده ، فقيل له في الخامسة ، فقال : يا رب لم يبق لي شيء ، فقيل له : إنما
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في المجروحين ( 2 / 238 ) ، والطبراني في الأوسط ( 5 / 356 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 6 / 65 ) ، وابن عدي في الكامل ( 5 / 162 ) ، والشاشي في مسنده ( 1 / 419 ) .
( 2 ) رواه أبو داود ( 4 / 285 ) ، والترمذي ( 4 / 323 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 160 )
( 3 ) رواه الحكيم في النوادر ( 2 / 188 ) .