تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
نظرهم الخلق ، غافلون عن طلب الحق ، إذا مدحوا وأقبل عليهم الخلق فرحوا وبطروا لنيل مرادهم وتحصيل أغراضهم ، والنفس الأمّارة مجبولة على حب الإمارة ، وإذا ذموا وأدبر عنهم الخلق انقبضوا وحزنوا لفوات ما أملوا ، فهؤلاء قلوبهم خربة من النور . وأما العباد والزهاد : فهم مجتهدون في العبادة ، فارون من الخلق ، طالبون رضا الحق ، مستوحشون من الناس ، تحققوا منهم الإياس ، فإذا أقبلوا عليهم بالمدح والثناء انقبضوا وخافوا أن يشغلوا عما هم فيه ، وإذا ذموا وأدبر عنهم الخلق فرحوا وانبسطوا لتفرغهم حينئذ للعبادة وإقبالهم على ما هم عليه من المجاهدة . وأما المريدون السالكون : فهم عاملون على قتل نفوسهم وحياة قلوبهم ، فإذا ذموا وأدبر الخلق عنهم فرحوا لما في ذلك من موت نفوسهم وحياة قلوبهم ، وإذا مدحوا انقبضوا خوفا على قوة نفوسهم وضعف قلوبهم ، إذ في موت النفس حياة القلوب ، وفي حياة القلوب موت النفوس . وأما العارفون : فقد ظفروا بنفوسهم ، ووصلوا إلى شهود معبودهم ، فهم يستأنسون بكل شيء لمعرفتهم في كل شيء ، يأخذون النصيب من كل شيء ، ويفهمون عن اللّه في كل شيء ، فإذا مدحوا انبسطوا باللّه لشهودهم المدح من اللّه وإلى اللّه ، ولا شيء في الكون سواه ، وليس أحد أحب إليه المدح من اللّه كما في الحديث ، وإذا ذموا انقبضوا تأدبا مع جلال اللّه أو شفقة على عباد اللّه : « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب « 1 » » ، فصار بسطهم باللّه وقبضهم باللّه واستغنوا به عما سواه ، وبهذا المعنى وهو الفناء عن النفوس صح مدحهم لأنفسهم ، تحدثا بما أنعم اللّه عليهم ، كالشيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه والشاذلي والمرسي والشيخ زروق وأشباههم رضي اللّه عنهم ، وذلك مشهور عنهم نظما ونثرا ، ومن أجل ذلك أيضا أقروا من مدحهم ، وأظهروا الانبساط عند مدحهم ، وللمؤلف رحمه اللّه قصائد في مدح شيخه أبي العباس رضي اللّه تعالى عنه ، وكان يقول له : أيدك اللّه بروح القدس كما كان يقول صلى اللّه عليه وآله وسلم لحسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه حين يمدحه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ومدح الشيوخ من أعظم القربات وأقرب الوسائل إلى
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) .