تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
والزهاد والسائرون من المريدين . وقسم : يفرحون بالمدح لشهوده من مولاهم ، وينقبضون من الذم لشهودهم جلال من تولاهم وهم العارفون . وقد أشار إلى القسم الثاني والثالث بقوله :

146 - الزّهّاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق ، والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحقّ .

قلت : أما العباد والزهاد ، فلأنهم محجوبون برؤية الخلق عن شهود الحق ، فإذا مدحوا شهدوا ذلك من الخلق ، وحجبوا عن الجمع بالفرق ، فانقبضوا وخافوا على نفوسهم أن تغتر بذلك أو تقف هنالك ، وهم عاملون على ما تموت به نفوسهم وتحيا به قلوبهم ، ولا شك أن المدح لها فيه حظ وافر ، فربما تميل إلى ذلك فتعتقد المزية على الغير ، فيوجب لها التكبر والرضا وهما أصل كل معصية ، وأما الذم فلا حظّ لها فيه ، وإنما فيه موتها وفي موتها حياتها ، فلذلك إذا مدحوا انقبضوا ، وإذا ذموا انبسطوا ، وسكت عنه الشيخ ، وكأنه يؤخذ بالمفهوم . وأما العارفون الواصلون ، فلأنهم فانون عن أنفسهم ، باقون بربهم ، غائبون عن الخلق بشهود الملك الحق ، فإذا أثنى عليهم رأوا ألسنة الخلق أقلام الحق ، وشهدوا الجمع في عين الفرق ، ففرحوا بمدح مولاهم ، وانبسطوا عند من تولاهم ، فيزدادون له حبّا وشوقا ، ويفنون فيه شغفا وعشقا ، وفي مثل هؤلاء ورد الحديث : « إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه ربوة « 1 » » ، وإذا ذموا انقبضوا سكونا تحت قهرية الحق ، وأدبا مع جلاله ، وليس في هذا الانقباض دليل على كراهية الذم من حيث نسبته للخلق ، لأنهم يرون الخلق مصرفين بقدرة الحق ، وعلامة ذلك أنهم يسمحون لمن أجرى ذلك عليه ، بل يتعطفون عليه ويتوددون بالمحبة إليه ، كما قال الشاعر :
ربّ رام لي بأحجار الأذى * لم أجد بدّا من العطف عليه فعسى يطّلع اللّه على * فرح القوم فيدنيني إليه
وفي تعبير آخر : الناس في المدح والذم على أربعة أقسام : عوام جهال ، وعباد زهاد ، ومريدون سالكون ، وعارفون واصلون . فأما العوام : فنفوسهم غالبة عليهم ، ودائرة الحس محيطة بهم ؛ محط
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 1 / 170 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3 / 690 ) ، والديلمي ( 1 / 335 ) .