المؤلف به من دخل مع القوم ولم يتحقق بما تحققوا به من استواء الأحوال « 1 » ، فإذا كنت أيها الفقير إذا أعطيت حظوظك ومناك واتصلت بعوائدك وهواك من الغنى والعز والجاه ، والبسط والصحة والعافية ، وغير ذلك من الحظوظ والشهوات انبسطت وفرحت ، وإذا منعت من حظوظك وشهواتك ، وأبدلك الغنى بالفقر ، والعز بالذل ، والجاه بالخمول ، والبسط بالقبض ، والصحة بالمرض ، والعافية بالبلية ، انقبضت وجزعت ، فاستدل بذلك على ثبوت تطفلك على كلامهم ، ولا نسبة لك من مقامهم ، وإنما أنت طفيلي الأعراس ، ما زلت في غفلة النعاس ، واستدل بذلك أيضا على عدم صدقك في عبوديتك ، إذ الصدق في العبودية يقتضي استواء النعمة والبلية ، كما قال الشاعر :
أحبائي أنتم أحسن الدهر أم أسا * فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخلّ
قال أبو عثمان الحيري رضي اللّه تعالى عنه : لا يكمل الرجل حتى يستوي قلبه في أربع أشياء : في المنع والعطاء والعز والذل انتهى .
فإذا كان الفقير يتضعضع عند الجلال ، وينهزم عند حملة الأبطال ، فاعلم أنه ضعيف الحال ، متطفل على مقامات الرجال . قال في التنوير : وقد ابتلى اللّه بحكمته ووجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين ، بإظهار ما كتموا من الرغبة ، وأسروا من الشهوة ، فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ، ملائمين لهم ، موافقين لهم على ملذوذاتهم ، مدفوعين على أبوابهم ، فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس ، معنتون بإصلاح ظواهرهم ، غافلون عن إصلاح سرائرهم ، ولقد وسمهم الحق بسمة كشف بها عوارهم وأظهر أخبارهم ، فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع اللّه أن يقال فيه عبد الكبير ، فخرج من هذه النسبة لعدم صدقه ، فصار يقال له : شيخ
هامش
( 1 ) النسبة هنا إلى " طفيل الأعراس " والمتبادر أن المصدر منها " تطفل " كما أسلف الشيخ من أول كلامه على الحكمة . إلا أن الأقرب عند الفقير كون الطفولية نسبة إلى الطفولة وهي نقيض الرجولة والطفولية عكس الرجولية « يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه » والمعنى بقاء السالك على ما هو عليه من رعونات النفس وعدم أخذها بالمجاهدة كي ينتقل إلى الرجولية . وكلام أبو عثمان الحيري بعده شاهد على ذلك .