تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
باطنك قدره من الجمال ، وكل ما تظهره من الجمال يدخل قدره في باطنك من الجلال ، فتزيين الظواهر يخرب البواطن ، وتخريب الظواهر يزين البواطن ، فبقدر ما تخرب في الظاهر يكون عمارة في الباطن ، وبقدر ما تعمر في الظاهر يكون خرابا في الباطن ، وللّه در شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه حيث قال في شأن الجهال :
اتفقوا على الدّين تركوه * تعاندوا في المال والكساوي الثوب من فوق غسلوه * وخلّوا القلب خاوي
فإذا أظهرت الجلال وأخفيت الجمال ، ثم أطلق الثناء عليك الكبير المتعال ، بما لست له أهلا ، فأثن عليه بما هو أهله ، كما أبان ذلك بقوله :

145 - إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل ، فأثن عليه بما هو أهله .

قلت : إذا أطلق اللّه تعالى الثناء عليك على ألسنة خلقه بما لا تعلمه من نفسك ولست بأهل له ، فأثن على اللّه بما هو أهله : أي بما يستحقه من التعظيم ، ليكون ذلك شكرا لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليك ، وأيضا فإنه هو الذي ستر عنهم مساوئك وأظهر لهم محاسنك ، ولو أظهر لهم ذرة من مساوئك لمقتوك وأبغضوك ، فإن العبد محل النقائص والحق تعالى محل الكمالات ، فكل ما ظهر عليك من الكمالات فإنما هي رشحة من كمالاته تعالى ، فالثناء في الحقيقة إنما هو للّه ، فإذا وقع عليك فرده أنت إلى أصله ، وفي الحقيقة ما وقع إلا في أصله ، ولكن لما اختلف القصد اختلف الحكم . أثني على بعض السادات وهو ساكت ، فقيل له : في ذلك ؟ فقال : وما علي من ذلك ولست أغلط في نفسي ، بل لست في البين ، والمجري والمنشئ هو اللّه تعالى انتهى . هذه حالة أهل الجمع ، وكان بعض السادات يستعمل الفرق إذا سمع الثناء عليه ألقى على رأسه التراب في خلوته ، فالناس في حالة المدح والذم على ثلاثة أقسام : قسم : يفرحون بالمدح ويكرهون الذم ، لأن نفوسهم غالبة عليهم ، ولا شك أنها تفرح بالعز والرفعة ، وتنقبض بالذم والضعة وهم العوام الغافلون . وقسم : يكرهون المدح ويحبون الذم ، لأنهم في مجاهدة نفوسهم ، فكل ما يؤلمها ويقتلها أقبلوا عليه ، وكل ما يحييها ويقويها فروا منه ، وهم العباد
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 328 | محمد عبد القادر نصار / أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى