حتى يتحدث الناس بذلك ويزيدون ، قيل : يا رسول اللّه كيف يزيدون ؟ قال : المؤمن يحبّ ما زاد في عمله « 1 » » الحديث . وفي حديث آخر قيل يا رسول اللّه : الرجل يعمل العمل خفية ثم يتحدث الناس به فيفرح فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « له الأجر مرتين : أجر العمل ، وأجر الفرح « 2 » » ، فإن مدح بما ليس فيه واغتر بذلك فهو جاهل بربه ، كما أشار إليه بقوله :
144 - أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظنّ ما عند الناس .
قلت : اليقين الذي عنده هو علمه بمساوئه وخفايا عيوبه ، وما انطوت عليه سرائره من النقائص والتقصير ، وظن ما عند الناس هو ما يرون على ظاهره من الكمالات وأنوار الطاعات ، التي تصحبها العلل الباطنية ، والحظوظ النفسانية ، فيتوجهون إليه بالمدح والثناء ، فإذا قنع بذلك وفرح بما هنالك ، فهو أجهل الناس وأحمق الناس ، إذ قد قنع بعلم الخلق ، ولم يخف من مقت الحق ، والمطلوب من الفقير عكس هذا ، وهو أن ينقبض عند المدح وينبسط عند الذم حتى يستويا عنده ، هذا إن كان المادح من أهل الدين والخير ، وأما إن كان جاهلا أو فاسقا فلا غباوة أعظم من الرضا بمدحهم والفرح به . فقد روي عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام فبكى ، فقال له تلميذه : أتبكي وقد مدحك ؟ فقال له : إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه فلذلك بكيت . وقال يحيى بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه : تزكية الأشرار هجنة لك ، وحبهم لك عيب عليك ، وقيل لبعض الحكماء : إن العامة يثنون عليك ، فأظهر الوحشة من ذلك وقال : لعلهم رأوا منى شيئا أعجبهم ، ولا خير في شيء يعجبهم ويسوءني انتهى . فينبغي للفقير أن يخفي محاسنه وأعماله التي يمدح عليها ، ويظهر ما يسقط به من أعينهم مما هو مباح كما تقدم في الخمول . وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه يقول : فينبغي للفقير ألا يكون صيته أكبر من قدمه ، بل يكون قدمه أكبر من صيته ، وقدره أكبر من دعواه انتهى . فيكون جلالي الظاهر جمالي الباطن ، فكل ما تظهره على ظاهرك من الجلال يدخل في
هامش
( 1 ) روام الحكيم في النوادر ( 4 / 83 ) ، والبيهقي في الشعب ( 5 / 359 ) .
( 2 ) لم أقف عليه .