تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
الظاهر ، وأنت تعلم من نفسك اللب الباطن . قال بعضهم : من فرح بمدح الناس فقد مكّن الشيطان من أن يدخل بطنه ، وكان بعضهم يقول : اللهم اجعلني خيرا مما يظنون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واغفر لنا ما لا يعلمون ، وإنما قلنا : مدائح الناس هواتف الحق ، إذ ليس في الوجود إلا الحق :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ
[ آل عمران : 191 ] ، فأهل الفهم عن اللّه يستمعون إلى الخطاب ، فإذا سمعوه مدحهم بشيء نظروا ، فإذا كان فيهم علموا أنه تنبيه لهم على مقام الشكر ، وإن لم يجدوه فيهم علموا أنه تنبيه لهم على تحصيل ذلك المقام ، ولهذا لما سمع أبو حنيفة قوما يمدحونه بقيام الليل كله ، وكان لا يقوم إلا نصفه جعل يقوم الليل كله . وقد ذم اللّه قوما أحبوا أن يمدحوا بما لم يفعلوا ، فقال :
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ آل عمران : 189 ] . وقال المحاسبي رضي اللّه تعالى عنه : مثل الذي يفرح بمدح الباطل كمن يقال له : العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك ، وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به انتهى . ثم إن ذمك لنفسك إذا توجه الخلق إليك بالمدح إنما هو حياء من ربك حيث ستر عيوبك وأظهر محاسنك ، وهو الذي نبه عليه بقوله :

143 - المؤمن إذا مدح استحيى من اللّه أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه .

قلت : قد تقرر أن التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق ، ومن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ، فإذا أطلق الثناء عليك بشيء لا نسبة لك فيه ، وإنما أنت محل لظهوره فاستحي منه تعالى أن يثنى عليك بشيء تعلمه أنه من فعل غيرك ، أو لم يظهر عليك شيء منه أصلا ، فإن مدحت بشيء زائد على ما ظهر فيك فاطلب منه القوة على المزيد ف
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ هود : 107 ] ، ولا يضرك مدحك بما تفعل إن لم تقصد التعرض للمدح ، ففي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « أتدرون من المؤمن ؟ قالوا اللّه ورسوله أعلم ، قال : الذي لا يموت حتى يملأ مسامعه مما يحب ، ولو أن رجلا عمل بطاعة اللّه في جوف بيت إلى سبعين بيتا ، على كل بيت باب من حديد لألبسه اللّه رداء عمله